• Menu

  • زيارة ياد فاشيم

  • اللغات

  • سهولة الوصول
زيارة ياد فاشيم

الدوام:
الأحد-الأربعاء: 8:30-18:00
الخميس: 8:30-20:00
الجمعة وعشية الأعياد: 8:30-14:00
تغلق مؤسسة "ياد فاشيم" أبوابها أيام السبت وجميع الأعياد اليهودية

تعليمات الوصول:

صمود السجين في معسكر الموت

بريمو ليفي, "أهذا هو الإنسان " ( قطع مختارة)

.. لقد سردنا وسنقوم بسرد المزيد عن الحياة على عتبة الموت التي كانت نصيبنا في المعسكر.

[ .. ] نحن لا نؤمن بعدالة الاستنتاج السطحي, الذي يكاد يكون أمراً مفروغاً منه, من أن الإنسان يتصف بالقساوة من حيث طبيعته منذ أن خلق, وهو أيضاً أناني وبليد من حيث تصرفاته, وذلك عندما يحرم من البنية العليا الخاصة بالإطار الثقافي المحيط به. بأن ال"هفتلينغ" ( Heftling – أي السجين في المعسكر) لا يعدو كونه إنساناً تم تجريده من جميع الكوابح والقيود. وكثيرا ما نميل إلى الاعتقاد بأنه يمكن التوصل إلى استنتاج واحد فقط بشأن هذه الظروف الحياتية, وهو أنه عندما تكون الآلام الجسمانية أشدّ بحيث لا تطاق, فعندها تسكت وتتلاشى العديد من الغرائز والعادات الاجتماعية.
من جهة أخرى, يبدو لنا أنه من الجدير إبداء الاهتمام بالحقيقة التالية: لقد تبين بأنه يوجد في مثل هذه الظروف نوعان من الإنسان, يختلفان عن بعضهما بصورة قاطعة, وهما الناجون والراقدون تحت التراب – أي المحكوم عليهم بالإعدام. أما الأضداد الأخرى, أي الصالحون والأشرار, الأذكياء والأغبياء, المحظوظون وعديمو الحظ, فإنها تكون أقلّ وضوحاً وأقل طبيعية بكثير ويوجد بضمنها العديد من الأشكال والألوان.

.. يمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن هذه العملية القاسية المتمثلة بالانتقاء الطبيعي في المعطيات الإحصائية الخاصة بتحركات الناس في المعسكرات. وفي عام 1944 بقي في معسكر الإبادة آوشفيتس عدد قليل فقط من السجناء اليهود القدامى.
.. من بين الذين تمكنوا عادة من البقاء الأطباء والخياطون والموسيقارون والطهاة والشبان الذين اجتذبوا اهتمام اللوطيين, أو أصدقاء لأي من رؤساء فرق العمل والبغاة أو من الذين كانوا من أبناء بلده أو قريته. ومن بين الذين تمكنوا من البقاء أيضاً أناس ... حصلوا على مناصب – إما من قبل قادة الإس. إس. الذين اختاروهم لإشغال هذه المناصب وأثبتوا بذلك بأنهم على معرفة شيطانية بأصول الطبيعة الإنسانية لل" كابو", أو لرئيس ال" بلوك" أو لأصحاب المناصب الأخرى. وأخيراً تمكن من البقاء أيضاً أولئك الذين لم يحصلوا على مناصب خاصة, ولكنهم تمكنوا دوماً من خلال نشاطهم ومكرهم من الحصول على مزايا مادية ومناصب من القوة, وفي نفس الوقت كانوا يعرفون دائماً كيف يمكن إثارة شعور معين من التساهل والتقدير في قلوب سادة المعسكر [ .. ]

ولم يكن هناك أي شيء أقل سهولة من السقوط في الفشل. وكان يكفي تنفيذ جميع الأوامر بحذافيرها, أو الاكتفاء بتناول وجبة الطعام المخصصة, إضافة إلى الحرص على أصول الانضباط الخاصة بالعمل. وأثبتت التجربة بأنه لا يمكن بهذه الطريقة البقاء على قيد الحياة أكثر من ثلاثة أشهر. وكان هذا المصير المحتوم لجميع أولئك من الهياكل العظمية الحية ( وكان هذا الاسم قد أطلق على الضعفاء الذين لم يكونوا قادرين على العمل, وكانوا في مقدمة المرشحين لعملية الانتقاء – تمهيداً للإبادة) الذين يذهبون إلى غرف الإبادة بالغاز. وإذا أردنا التحدث بمنتهى الدقة, فلم يكن من الممكن التحدث عن أي مصير بالنسبة إليهم سواء الانزلاق في المنحدر من أوله حتى أسفله, مثل الأنهار التي تنصب في البحر. وأصبح مصيرهم محتوماً فور دخولهم المعسكر, قبل أن تكون الفرصة سانحة أمامهم للتكيف لظروفه, إما نتيجة سوء الحظ, أو بسبب أي حادث أو صدام بسيط. وقضى عليهم الزمن, لأنهم لم يتمكنوا من الاهتداء وايجاد طريقهم في الورطة الشيطانية من القوانين والأنظمة والممنوعيات إلاّ بعد أن أصبحت أجسامهم تتفتت, بحيث لم يعد هناك أي شيء ينقذهم من عملية الانتقاء ثم الإبادة أو من الموت بسبب الإنهاك وانهيار قواهم [ .. ]

إن الهياكل العظمية الحية هم حقاً الراقدون تحت التراب, وهم خلاصة وجود المعسكر, وهم الحشد الكبير الذي يجري ويتجدد بدون انقطاع. كلا – إنما هم بنو البشر, وهم متساوون ويشبهون بعضهم البعض كقطرتي ماء. وهم يمشون بالكلل والصمت, بعد أن تكون الشرارة الإلهية في أرواحهم قد انطفأت تماماً, فأصبحوا كالقشرة الجوفاء, بحيث لم يعودوا يتعرضون لأي معاناة حقا. وبطبيعة الحال لا يجوز اعتبارهم أناساً أحياء. وهناك من يتردد في وصف موتهم بأنه موت حقاً, لأنهم لم يعودوا يخافون منه, فهم ليسوا قادرين على فهم المغزى من الموت بسبب إنهاكهم.

.. لا يزال ذهني مليئاً ومفعماً بالذكريات عن وجودهم المجهول, ولو كان بإمكاني تقديم خلاصة مختصرة لكل ما هو شرير في عصرنا هذا من خلال صورة واحدة فقط, لكنت أختار هذا المنظر الذي يكون قريباً من صميم قلبي: الإنسان, الجلد والعظام, الجبين المنحني والظهر المعوج. ولم يعد من الممكن إيجاد أي بقايا من التفكير الإنساني في ملامح وجهه وفي عينيه [ .. ]

.. وكانت هناك طرق كثيرة جداً لا عدّ لها كنا قد ابتكرناها واتبعناها من أجل ألا نموت: وكان عددها مطابقاً لعدد أنماط الشخصية الانسانية. وألزمتنا جميع هذه الطرق بخوض نضال متواصل يستنزف القوة يقف فيه الفرد بمواجهة الجميع. وكثيراً ما تطلبت هذه الطرق التوصل إلى حلول وسط وهي لم تكن أخلاقية. وكان بوسع خيرة الأبرار والصالحين فقط البقاء على قيد الحياة بدون التنازل عن المبادئ والقيم. وإذا قررت التصرف وفقاً لما كان ضميرك يمليه عليك, فكان بإمكانك البقاء على قيد الحياة إذا خالفك الحظ بصورة استثنائية فقط.

بريمو ليفي ( 1919- 1987), من مواليد مدينة تورينو في شمال إيطاليا, كان كيماوياً من حيث مهنته. حارب في صفوف حركة المقاومة الإيطالية ضد نظام الحكم الفاشي. وقد ألقي القبض عليه من قبل قوات الأمن الفاشية, وبعد احتلال إيطاليا من قبل الألمان, نقل مع يهود آخرين إلى معسكر الإبادة آوشفيتس – بيركناو. وقد راودته التجارب التي مرّ بها في هذا المعسكر طوال حياته, حتى قرر, بعد الحرب, تدوين بعضها في مؤلفات أدبية كتبها. وأحدثت القوة الكامنة في مؤلفاته انفعالاً شديداً لدى العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم. "أهذا هو الإنسان" – هو باكورة نتاج بريمو ليفي. وفي عام 1987 أقدم بريمو ليفي على الانتحار.

من:

If This is A Man, Primo Levi (Translated from the Italian by Stuart Woolf), Orion Press, London, 1959, pp. 99-106.

جميع الحقوق محفوظة © 2017 ياد فاشيم