• Menu

  • زيارة ياد فاشيم

  • اللغات

  • سهولة الوصول
زيارة ياد فاشيم

الدوام:
الأحد-الأربعاء: 9:00-17:00
الخميس: 9:00-20:00
الجمعة وعشية الأعياد: 9:00-14:00
تغلق مؤسسة "ياد فاشيم" أبوابها أيام السبت وجميع الأعياد اليهودية

تعليمات الوصول:

الأسئلة الشائعة

نظرة عامة

 الهولوكوست هو الاسم الذي أطلق على المحاولة التي قام بها النازيون لقتل جميع اليهود. وقد تمكن النازيون إبان الحرب العالمية الثانية، مستعينين بالعديد من العملاء من أبناء أمم مختلفة، من قتل حوالي ستة ملايين من اليهود في معظم أنحاء أوروبا. ويعتبر المؤرخون موعد تولي النازيين زمام الحكم في ألمانيا في شهر يناير كانون الثاني 1933 بداية لفترة الهولوكوست. وبدأت عملية القتل الجماعي المنظم لليهود بعد وقت قصير من الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي في حزيران عام 1941.

وقد بدأت هذه العملية بالقتل رمياً بالرصاص ثم انتقلت إلى القتل بواسطة الغاز السام. ولدى انتهاء الحرب العالمية الثانية فقد أصبحت المنطقة الأوروبية التي سيطر عليها النازيون في أوروبا خالية بصورة شبه مطلقة من اليهود. إن عملية إبادة شعب أو (الجينوسايد) هي المصطلح القانوني الذي يصف عملية تدمير الأسس الحيوية لحياة مجموعات قومية. وقد يشتمل الأمر – ولكنه لا يتحتم أن يشتمل بالضرورة – على القضاء على حياة أبناء هذه المجموعة جسدياً. إن الهولوكوست هو الوصف القابل للجدل للحد الأكثر تطرفاً لعملية إبادة شعب.إن المصطلح باللغة العبرية للهولوكوست هو "شوءآة" وهي كلمة أصبح استخدامها شائعاً أكثر فأكثر في لغات أخرى أيضاً.

لقد قال البروفيسور يهودا باور من مؤسسة ياد فاشيم ومن أعضاء الطاقم الدولي للتعاون في مجال التعليم الخاص بالهولوكوست، قال ما يلي: "هناك شيء مخيف لا سابقة له يتعلق بالهولوكوست الذي تعرض لها الشعب اليهودي – فلأول مرة في تاريخ البشرية الملطخ بالدماء فقد ظهرت وتطورت فكرة في دولة معاصرة تقع في قلب قارة متحضرة لانتقاء جميع أفراد مجموعة عرقية حسب المعايير التي حددتها هذه الدولة وليست هذه المجموعة نفسها ثم لتسجيلهم ووضع علامة عليهم وعزلهم عن البيئة المحيطة بهم وتجريدهم من ممتلكاتهم واحتجازهم في مواقع التركيز الجماعي ثم نقلهم وقتلهم. وهذه الخطة لا تقتصر على الدولة التي أعدت فيها خطة الإبادة الجماعية هذه أو على القارة التي أراد مدبرو هذه الخطة بسط سيطرتهم عليها أولاً وإنما كان المقصود أن تشمل هذه الخطة جميع أبناء هذه المجموعة في كافة أنحاء المعمورة، وكل ذلك لأسباب ايديولوجية محضة. وقد وقع الهولوكوست في عالم شبيه بعالمنا. إن الأفكار والإجراءات التي أدت إليه وما اشتمل عليه من ممارسات وردود فعل، تحمل أبعاداً تنعكس على الإنسانية جمعاء. ويقف الهولوكوست بمثابة تحذير من قدرة الإنسان على ارتكاب أعمال القتل بالجملة باسم مبادئ عقائدية، رغم القيود التي تفرضها عليه الحضارة.

كان هناك العديد من الناس والشعوب الذين أصبحوا ضحايا تحت أقدام النظام النازي وذلك لأسباب سياسية واجتماعية وعنصرية. ومن بين الأوائل الذين تعرضوا للاضطهاد ألمان من ذوي الميول اليسارية وذلك بسبب نشاطاتهم السياسية. وكان من بينهم الشيوعيون والاشتراكيون وزعماء النقابات المهنية. ومات العديد منهم في معسكرات ومراكز الاعتقال ولكنه تم الإفراج عن معظمهم بعد تحطيم معنوياتهم. وفي تشرين أول عام 1939 امر هتلر بالشروع في تنفيذ خطة "القتل الرحيم" التي كانت ترمي إلى قتل أولئك الذين ولدوا بعاهات عقلية أو جسمانية. وكانت العقيدة النازية تعتبر هؤلاء الناس "غير جديرين بالحياة". وتم قتل حوالي مائة ألف ألماني من الأطفال والبالغين على حد سواء من الذين تم احتجازهم في ستة مراكز في مختلف أنواع الدولة النازية تحت الرعاية الطبية وذلك في الفترة ما بين عامي 1939-1941. ووضع حد لهذه الخطة بصورة رسمية في شهر آب 1941 في أعقاب الاحتجاج الذي أبدته الكنائس. وعندما أغلقت مؤسسات "القتل الرحيم"، أرسل أفراد طواقمها الطبية والإدارية إلى بولندا، حيث تم إشراكهم في عملية إقامة وإدارة معسكرات الإبادة التي خصصت لليهود.

وكان هناك نوع آخر من الألمان الذين تم سجنهم والذين وصفوا ب"عناصر شاذة اجتماعياً" بمن فيهم مثليو الجنس والمجرمون أو أناس آخرون وصفوا بالمنشقين. وتمت فعلاً معاملة هؤلاء الناس بقساوة متناهية، إلاّ أنه لم يحكم عليهم بالموت والفناء التام مثلما كان الحال بالنسبة لليهود.

لقد اعتبرت العقيدة النازية مجموعة ال"روما" - أي الغجر – بمثابة مشكلة اجتماعية يجب التعامل معها حسب المعايير العنصرية النازية الخاصة بإعادة بناء هياكل المجتمع. وشرع النازيون في عام 1942 في اضطهاد وقتل أبناء ال"روما" الرحالة في بعض الأماكن واستهدفوا مجموعات أخرى غير رحالة من ال"روما" كضحايا محتملين. وتم قتل ما يتراوح بين 90000 و-150000 من أبناء الروما خلال عملية إبادة الشعب التي دبرها الألمان بحقهم إبان الحرب العالمية الثانية. وتم ذلك في الدول التي احتلها النازيون وفي معسكر الإبادة آوشفيتس-بيركناو.

وكان النازيون يعتبرون تشكيلة واسعة من الشعوب الأوروبية، وخاصة تلك الناطقة بلغات سلافونية، كانوا يعتبرونها منحطة عنصرياً. ولكن طريقة تعامل النازيين مع أبناء مجموعات عرقية لم تقتصر على العقيدة العنصرية وحدها، بل كانت هناك اعتبارات تتعلق بما أطلق عليه اسم "سياسة الأمر الواقع". وقد استعان النازيون في نطاق هذه السياسة بعملاء من أبناء الشعوب السلوفاكي والكرواتي والبلغاري والأوكراني على الرغم من أنهم اعتبروا هذه الشعوب منحطة عنصرياً. من جهة أخرى تم قتل حوالي مليون أسير حرب روسي من خلال تعمد ممارسة الإهمال والأشغال الشاقة والتجويع والقتل بالرصاص ضدهم، وذلك بسبب العقيدة العنصرية التي تحلى به النازيون وما كانوا يكنونه من مقت للشيوعية. وقد سعى النازيون إلى تحطيم وجود البولنديين كأمة وذلك بالدرجة الأولى إنطلاقاً من رغبتهم في إعادة ترتيب القارة الأوروبية على أسس عنصرية وسياسية. من جهة أخرى لم يعتبر النازيون البولنديين هدفاً لخطط الإبادة الجسدية. وكانت هناك خطة لتربية أطفال بولنديين من أصحاب ما وصف ب"المنظر الألماني" بصفة ألمان، في حين كانت هناك خطة لقتل المثقفين والزعماء من أبناء هذا الشعب، تفادياً للتمرد. أما سائر أبناء الشعب البولندي، فقد اعتبرهم النازيون هدفاً للاستعباد.

إن "إنكار الهولوكوست" هو عبارة عامة تشمل المزاعم اللاسامية من أن عملية الإبادة الجماعية لليهود من قبل النازيين لم تتم قط أو بأن عدد الضحايا من اليهود مبالغ به إلى حد كبير أو بأن الهولوكوست لم يكن عملية منظمة أو نتيجة لسياسة رسمية. وقد تم الإدلاء بمثل هذه المزاعم السخيفة من قبل نازيين ونازيين جدد ومؤرخين كاذبين أصبحوا معروفين بال"تعديليين" إضافة إلى مجموعات من غير المثقفين وغير المطلعين الذين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يصدقوا بأنه كان من الممكن أن ترتكب مثل هذه الفظائع على مثل هذا النطاق.

وكانت هناك محاولات لنفي وقوع الهولوكوست حتى قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية. ورغم الأدلة القاطعة المتوفرة، فإن النازيين الذين كانوا ضالعين في خطة "الحل النهائي" – أي إبادة اليهود في أوروبا – استخدموا لغة العبارات المبهمة المليّنة بما في ذلك مصطلح "الحل النهائي" نفسه و"المعاملة الخاصة" بدلاً من القتل بالغاز والإبادة والقتل، وذلك من أجل إخفاء نشاطاتهم الفتاكة عن أنظار العالم. وخلال السنتين الأخيرتين من الحرب كلفت وحدات ال"زوندركوماندو" بالقيام بعمل سري كان معروفاً باسم "أكتسيون 1005" تم في نطاقه حفر مقابر جماعية وإحراق الجثث.ومرة أخرى كان الهدف الذي سعى النازيون إلى تحقيقه إخفاء الدلائل عمّا ارتكبوه من فظائع.

وفي أيامنا هذه, وبعد مرور أكثر من ستين عاماً، لا يزال هناك أناس إما يرفضون تماماً فكرة أن يكون الهولوكوست قد وقع فعلا أو يقولون إن الهولوكوست لم يكن على نفس الحجم الواسع الذي كان عليه حقيقة. وهناك عدد ممن يسمون بال"مؤرخين التعديليين" وعدد آخر من الباحثين الوهميين الذين ينشطون في هذا المجال في أنحاء واسعة من العالم. وفي عام 1978 أقامت مجموعة من "منكري الهولوكوست" في كاليفورنيا معهداً للمراجعة التاريخية. وتتظاهر هذه المجموعة بأنها تحمل طابعاً علمياً وهي تنشر مجلة وتقوم بتنظيم مؤتمرات دولية.

وكثيرا ما يقول المنكرون إن الهولوكوست لم يؤثر على العدد الكبير من الناس كما وقع بالفعل. وادعى أكاديمي فرنسي باسم بول راسينييه, وهو من مؤسسة النهج التعديلي بأن خمسمائة ألف إلى مليون من اليهود فقط قتلوا إبان الحرب العالمية الثانية، معظمهم بسبب رداءة الظروف المعيشية وبصورة تدريجية – وليس نتيجة عمل منظم ومدبر قام به النازيون. كما ادعى راسينييه بأنه عثر على ملايين اليهود الذين اختفوا عن القارة الأوروبية. وهو يزعم بأن عدداً كبيراً من اليهود من شمال إفريقيا الذين هاجروا إلى إسرائيل قبل وبعد إقامة دولة إسرائيل لم يكونوا في جميع الحالات من مواليد شمال إفريقيا وإنما كانوا يهوداً فروا من أوروبا قبل وأثناء الحرب.

 

ويدعي المنكرون بأن يوميات وشهادات وصور الهولوكوست ليست مصداقة وهي مليئة بالأكاذيب. ويقول بعض المنكرين إنه لم يكن بالفعل بوسع النازيين إحراق مثل هذا العدد الكبير من الناس بمثل هذه السرعة. كما يدعون بأنه لم يكن من الممكن استعمال غاز الـ"تسيكلون ب" بنجاعة بصورة منتظمة في مكان واحد. ومع ظهور شبكة الانترنت شرع منكرو الهولوكوست في استخدام هذه الوسيلة لنشر رسالة الكراهية التي يتمسكون بها.وهناك عدد كبير من المواقع على شبكة الانترنيت التي أقيمت من قبلهم أو من قبل مجموعات تربطها علاقة بهم، مثل المجموعات العنصرية التي تدعي بتفوق العنصر الأبيض. وتستخدم هذه المجموعات هذه المواقع لنشر وجهة نظرها المشوهة لمجريات الأحداث.
لقد اتخذت خطوات هامة لمحاربة هذه الحملة من المعلومات الكاذبة والمشوهة. وفي بعض الدول أعلن عن إنكار وقوع الهولوكوست بأنه مناف للقانون ويتم إنزال العقاب بأولئك الذين يقومون بنشر هذه الأفكار. كما أقيمت العديد من متاحف الهولوكوست وتم اعتماد مناهج تعليمية خاصة بالهولوكوست في العديد من المدارس والمعاهد التعليمية من أجل التأكد من عدم تكرار مثل هذه الظاهرة، على الرغم من المساعي التي يبذلها المنكرون. وقد رفع ديفيد إيرفينغ، وهو من منكري الهولوكوست المعروفين، دعوى قضائية على المؤرخة ديبورا ليبستادت بالقذف والتشهير بعد أن وصفته بمنكر للهولوكوست. وفي عام 2000 توصلت المحكمة البريطانية التي نظرت في القضية إلى قرار يقضي بأن إيرفينغ كان منهمكاً فعلاً في إنكار الهولوكوست. وكان هذه القرار بمثابة انتكاسة كبيرة لجميع أولئك الذين يدعون بأن الهولوكوست لم يحدث في أي يوم من الأيام.

وأصبح إنكار الهولوكوست متأصلاً في العالم العربي والإسلامي لا سيما بعد حرب الأيام الستة في حزيران عام 1967. واليوم أصبح إنكار الهولوكوست فكرة شائعة لدى التيارات المركزية من الناس في هذه الدول.

هناك الكثير من الأوجه الخاصة بهذا السؤال ويمكن القول إن جميع الأسئلة الممكنة بالكاد ستترك الناس الذين يؤمنون بقدسية الحياة في حالة من الحيرة والإرباك. لقد كانت العقائد العنصرية واللاسامية التي صاغت وجهة نظر النازيين إلى العالم في صميم المشروع النازي لمحو الشعب اليهودي من الوجود. وقد سعى النازيون لإعادة صياغة ملامح العالم لتتفق مع وجهة نظرهم. لقد خضع النازيون للتأثير العميق لفكرة الداروينية الاجتماعية وللاعتقاد بأن القوي قد تغلب على الضعيف على مدى تاريخ الإنسانية. وانطلاقاً من ذلك جزم الألمان بأنهم كانوا مجموعة عرقية ذات صفات متفوّقة ويجب عليهم التحكم بالمجموعات العرقية التي كانوا يعتبرونها منحطة . وانطلاقاً من هذه النظرة، فقد أصبح النازيون بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية منهمكين في عدة مشاريع يمكن على الأرجح وصفها بأنها تنطوي على إعادة البناء العنصرية والتي كانت تهدف إلى تحقيق رؤياهم للمجتمع المثالي. لقد عرّف النازيون الناس حسب معاييرهم ومواصفاتهم التي قالوا عنها إنها تعتمد على أسس علمية وكانوا يتعاملون مع الناس وكأنهم بيادق على لوحة الشطرنج وينقلونهم من مكان إلى آخر في جميع أنحاء القارة الأوروبية، وذلك في معظم الأحيان مع التجاهل الكامل لحقوقهم الإنسانية الطبيعية. واعتبر النازيون اليهود ألدّ أعداء لهم وذلك استناداً إلى اعتبارات عنصرية، بحيث كان يبدو لهم بأن من واجبهم وضع حد ل"تأثير" هذا العدو على سائر أبناء البشر. لقد كان القتل دوماً خياراً محتملاً في ضوء الأيديولوجيا النازية، ولكنه تطور مع مرور الوقت ليصبح سياسة رسمية. وفي هذا السياق حاول النازيون اعتماد تشكيلة متنوعة من الحلول لما كانوا يسمونه بـ"المسألة اليهودية" قبل انتقالهم إلى عملية القتل الجماعي المنظم والمدبر لجميع اليهود في المناطق التي كانت تقع تحت سيطرتهم. وقد أصبحت هذه السياسة معروفة باسم "الحل النهائي".

وليس من شك في أن العديد من الزعماء وعامة الشعب في النظام النازي، إضافة إلى المتعاونين مع هذا النظام، تبنوا بصورة كاملة العقيدة النازية التي رأت بأنها ستخلّص الإنسانية جمعاء من عدو لدود وفتاك من خلال قتل اليهود. ولكنه من الواضح، من جهة ثانية، من ابحاث تم تنفيذها بصورة دقيقة بأنه لا يمكن القول إن جميع الناس الذين كانوا ضالعين في قتل اليهود كانوا يؤمنون بجميع الأبعاد التي تنطوي عليها الرؤيا العنصرية النازية. وكانت هناك تشكيلة واسعة من العوامل الأخرى التي نمت وازدهرت في ظروف الحرب الشاملة وساهمت في تحويل الناس العاديين إلى قتلة جماعيين. ومن بين هذه العوامل الرغبة في تحقيق مزايا شخصية في المجتمع النازي إضافة إلى الجشع والضغوط الاجتماعية والقساوة اللاإنسانية التي نمت وازدهرت في الظروف الاستثنائية التي أملتها الحرب الشاملة. وفي أماكن وأوقات مختلفة وبعد أن أصبحت سياسة القتل الجماعي مطبقة على أرض الواقع كانت هناك عوامل لوجستية محلية مثل احتمال النقص في أماكن لإسكان اليهود في غيتو عتيد أو نقص في المواد الغذائية، أدت إلى إطلاق حملة معينة من القتل الجماعي "أكتسيون".

ولم يكن القتل الجماعي لليهود ممكناً بدون الدعم الفعال وغير الفعال للمجتمعات الكاملة في الأماكن التي كانت تقع ضمن سيطرة النازيين. وفي معظم أنحاء المناطق التي كان الألمان يسيطرون عليها كان الناس بوجه عام على علم بقتل اليهود وكانوا يجنون أرباحاً ومكاسب من توزيع ممتلكات اليهود. وكان العديد من الناس يؤيدون عملية القتل من صميم قلبهم، في حين كان هناك أناس آخرون أقلّ تحمّساً تجاه عملية القتل. ولم تكن هناك بالفعل أي معارضة صريحة ومطلقة لعملية القتل وكانت هناك فئة قليلة فقط من الأفراد الذين خاطروا بأنفسهم من أجل مساعدة جيرانهم اليهود.

وكان الشيء الذي جمع جميع القتلة وشرائح كبيرة من المجتمع تحت السيطرة النازية وجهة النظر اللاسامية تجاه الأوضاع في العالم والتي اعتبرت اليهود خارجين عن حلقة المسؤولية الاجتماعية المعيارية المقبولة. وبعبارة أخرى - فإن حياة اليهود كانت على أقل تقدير شيئاً يمكن الاستغناء عنه.

إن فرية الدم هي ادعاء لا يستند إلى أي أساس مطلقاً لكن له تأريخ طويل حيث أنه يدعي بأن اليهود استخدموا دماء أطفال مسيحيين في شعائرهم الدينية سواء بصفة دواء أو لأغراض السحر. وكان هذا الاتهام المعروف أيضاً ب "القتل الشعائري" يوجَّه إلى اليهود بصفة خاصة في أعياد الفصح المسيحية واليهودية حيث كان يقال إن اليهود يحتاجون إلى دماء المسيحيين من أجل خبز الفطيرة الخاص بهذا العيد. وقد تمخضت عن الاتهامات بفرية الدم مجازر ومحاكمات بحق اليهود اعتباراً من القرون الوسطى وحتى أواسط القرن العشرين. ومن أشهر الاتهامات الخاصة بفرية الدم ما تعرض له يهود إنكلترا في القرن الثاني عشر الميلادي حيث اتُهموا بقتل الصبي "وليام من نوريتش" ، وكذلك فرية الدم في دمشق عام 1840 حيث اتُهم اليهود بقتل راهب كاثوليكي يدعى الأب توماس ، إضافةً إلى قضية بيليس حيث اتُهم يهودي في العاصمة الأوكرانية كييف بممارسة القتل الشعائري إلا أنه تمت تبرئة ساحته على أيدي هيئة قضائية مؤلفة من مسيحيين فقط ، وأخيراً مذبحة كييلتسي في بولندا عام 1946 حيث تم توجيه الاتهام إلى يهود نجوا من المحرقة النازية بقتل طفل مما أدى إلى أعمال شغب بحق يهود المدينة. ولا تزال فرية الدم مقوماً أساسياً للأدبيات اللاسامية حتى اليوم.

تعتبر "بروتوكولات حكماء صهيون" أشهر عملية تلفيق أدبية لاسامية.

و"البروتوكولات" مؤلفة على شكل مجموعة من التقارير ("البروتوكولات") تتناول مباحثات سرية مزعومة أجراها "قادة الحركة اليهودية الدولية" ("حكماء صهيون") حول مخططهم في السيطرة على العالم. وبحسب "البروتوكولات" والمقدمات والتفسيرات الملحقة بها، فإن اليهود يستخدمون مختلف الوسائل لتحقيق مخططهم في السيطرة على العالم. وتقضي هذه النظرية بأنهم هم الذين فجروا الثورة الفرنسية والحركة الليبرالية والاشتراكية والشيوعية وغيرها.

وقد نُشر المؤلَّف لأول مرة في روسيا، وكان نتاج إعادة تحرير لعمل هجائي موجه ضد نابليون الثالث، بقلم موريس جولي، وقد صدر في بروكسل عام 1864. وأتى معارضو الثورة الروسية "بالبروتوكولات" إلى الغرب حين التجئوا إليه من روسيا، لتصدر بعد ذلك بطبعات مختلفة في أنحاء العالم وبمختلف اللغات، منها البولندية والفرنسية والرومانية والهنغارية والتشيكية والصبروكرواتية والصربوكرواتية واليونانية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والفلمنكية والسويدية والإنكليزية والنرويجية والهولندية واللاتفية والعربية.

وفي سنة 1934، وفي مدينة بورت إليزابث بجنوب أفريقيا، ثم في 1935 في مدينة بيرن بسويسرا، جرت محاكمتان تطرقتا إلى مدى صحة "البروتوكولات"، فقرر القاضيان في كلتا المحاكمتين أنها ملفقة.

ورغم ذلك حققت "البروتوكولات" والأفكار التي تضمنتها انتشارا واسعا جدا بين صانعي السياسات النازية, والذين آمنوا بما ورد فيها، بل أكثروا من الاقتباس منها. وقد جاء ذكر "البروتوكولات" في مناسبات عديدة وضمن سياقات شتى من الدعاية اللاسامية النازية.

وقد تواصل بعد الحرب العالمية أيضا إعادة طباعة "البروتوكولات" ونشرها.

لللمزيد من المعلومات عن "بروتوكولات حكماء صهيون" انقر هنا

ألمانيا النازية واليهود بين عامي 1933 و1939

لم يأت هتلر إلى الحكم من خلال انقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة ديمقراطياً ولكنه أصبح زعيماً من خلال العملية الديمقراطية نفسها. وتمكن هتلر وحزبه من الحصول على عدد متزايد من الأصوات في الحملات الانتخابية التي أجريت في ألمانيا عامي 1933 و- 1934 وذلك إلى حد كبير على خلفية الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتواصلة التي عانتها ألمانيا، وخاصة بعد عام 1929 وما أبداه هتلر من مهارة في مخاطبة شرائح مختلفة من المجتمع الألماني بالكلمات التي أرادت سماعها أكثر من أي شيء آخر. من جهة أخرى، فإن هتلر لم ينتخب على الإطلاق بأغلبية ساحقة من أصوات الناخبين الألمان، كما لم يحصل على تفويض بصورة قاطعة ليصبح طاغية لألمانيا. وعملياً، خلال الانتخابات الديمقراطية الأخيرة التي أجريت في ألمانيا في السادس من تشرين الثاني 1932, فإن مدى التأييد للحزب النازي، رغم بقائه أقوى حزب ألماني، قد انخفض من نسبة 37.3 بالمائة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة التي أجريت في 31 تموز 1933 إلى نسبة 33.1 بالمائة. وقد تولى هتلر الحكم عندما عينه الرئيس هيندنبورغ مستشاراً لألمانيا بتاريخ 30 كانون الثاني 1933.

وبعد توليه السيطرة على زمام الأمور لم يضع هتلر وأعوانه الوقت وسرعان ما عملوا على توسيع قاعدة القوة لنظام الحكم الجديد وعلى حل الدستور الديمقراطي, قطعة بعد قطعة. ومن بين العلامات البارزة في هذه المسيرة ما سمي بقانون التمكين الذي خول الحكومة صلاحية سن قوانين بدون ضرورة الاستئناس برأي البرلمان أو رئيس الجمهورية. وقد ألغي الحكم الذاتي الذي كانت الولايات الألمانية تتمع به من خلال قانون ثانوي سن بتاريخ 31 آذار 1933. ومن الظاهر أنه تم إكمال عملية استيلاء النازيين على الحكم من خلال سن القانون الذي يمنع تأسيس أحزاب جديدة بتاريخ 14 تموز 1933. وفي أعقاب ذلك أصبح الحزب النازي الحزب السياسي المشروع الوحيد في ألمانيا.

لقد تم اضطهاد اليهود في ألمانيا في الفترة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية في ظروف تختلف تماماً عن تلك التي قام الألمان بممارستها في نطاق حملة معسكرات الإبادة إبان الحرب العالمية الثانية. وكان الهدف العملي من السياسة النازية خلال السنوات الأولى ليس تصفية اليهود جسدياً وإنما اقتلاع جذورهم الاقتصادية والاجتماعية وإبعادهم عن التراب الألماني. وظل النظام الألماني خلال السعي لتحقيق هذه الأهداف خاضعاً لقيود داخلية وخارجية على حد سواء، ممّا كان يكبح جماح القساوة التي انطوت عليها الإجراءات اللاسامية التي كان يتخذها آنذاك. وقد جرت الحملة المعادية لليهود بكاملها تحت أنظار وسائل الإعلام العالمية. ومن بين مظاهرها النموذجية سن قوانين التفرقة العنصرية والحرمان الاقتصادي والقذف والتشهير أمام الملأ والملاحقة عبر الأجهزة الإدارية إضافة إلى النبذ الاجتماعي وذلك أكثر من التعذيب الجسماني والقتل. ومع ذلك، فقد انطوت كل هذه التطورات على ممارسة العنف بصورة واسعة ومتزايدة باستمرار.

ومن بين المميزات البارزة للساسية النازية في الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وجود تقلبات مثيرة للبلبلة بين القمع تارة والحياة الطبيعية تارة أخرى، بحيث تم تشديد وتخفيف الضغوط اللاسامية بالتناوب. وفي أعقاب انفجار موجات من النشاطات اللاسامية المكثفة جاءت فترات مطولة نسبياً من الاستقرار المخادع. وبشكل عام، فإن الحملة اللاسامية في الفترة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية شهدت ثلاث علامات رئيسية بارزة: 1) المقاطعة الاقتصادية التي أعلن عنها في 1 نيسان 1933 وما تبع ذلك من موجة عارمة من القوانين العنصرية التي كانت تستهدف الموظفين اليهود في الخدمات العامة وفي المهن المختلفة. 2) قوانين نورمبرغ التي سنت بتاريخ 15 أيلول 1935 التي وضعت حداً لتحرير ومساواة اليهود في ألمانيا وعرّفت "اليهودية" بمصطلحات عنصرية و. 3) المذبحة المنظمة التي دبّرتها الدولة الألمانيا في ليلة 9-10 تشرين الثاني 1938 والتي تمت الإشارة إليها بعبارة Kristallnacht أي "ليلة الزجاج المحطم".

خلال ليلة 9-10 تشرين الثاني 1938 ارتكبت قوات من الكوماندو النازي حملة مركّزة من القتل والنهب وإضرام النار ضد السكان اليهود وممتلكاتهم في ألمانيا والنمسا ومنطقة السوديت في تشيكوسلوفاكيا التي ضُمّت حديثاً إلى ألمانيا. وتركت هذه الحملة وراءها حوالي ألف كنيس يهودي دمر كلياً و-7500 محل تجاري وشركة تابعة ليهود تعرضت للنهب كما قتل واحد وتسعون يهودياً. وزعم النازيون بأن أحداث هذه الليلة المشؤومة - Kristallnacht - أي ليلة الزجاج المحطم - رمزاً للشظايا الزجاجية التي غطت شوارع المدن الألمانية في أعقابه- كانت بمثابة "انفجار تلقائي لمشاعر غضب الجماهير الألمانية" في أعقاب اغتيال الدبلوماسي الألماني إيرنست فون رات، الذي كان سكرتيراً ثالثاً في السفارة الألمانية في باريس والذي توفي في التاسع من تشرين الثاني متأثراً بالجروح التي أصيب بها قبل يومين من ذلك. وقد أطلق العيارات النارية باتجاهه شاب يهودي يدعى هيرشل غرينشبان. وكان هذا الشاب من مواليد ألمانيا بحيث انحدرت عائلته من أصل بولندي وكان يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً. وارتكب غرينشبان هذ الفعلة بسبب مشاعر اليأس التي ألمت به حول مصير عائلته، التي كانت ضمن اليهود البولنديين السبعة عشر ألفاً الذين عاشوا في ألمانيا وتم إبعادهم بصورة جماعية من قبل الشرطة السرية النازية الغيستابو إلى المنطقة المنزوعة السلاح على الحدود بين ألمانيا وبولندا.

وبعد فترة قصيرة جداً من ليلة الزجاج المحطم, شرعت الشرطة السرية النازية الغيستابو وقوات الإس إس. التي وقفت ولم تعمل شيئاًَ خلال تلك الليلة، شرعت بالعمل واعتقلت حوالي 30000 رجل يهودي تتراوح أعمارهم بين ستة عشر وسيتن عاماً. وتم إرسال معظمهم إلى معسكرات اعتقال أمثال داخاو وزاكسنهاوزن وبوخنفالد. وقد تعرضوا لمعاملة قاسية هناك بحيث توفي حوالي 2000 إلى 2500 منهم. وسمح لمعظم أولئك الذين بقوا على قيد الحياة بالعودة إلى منازلهم خلال فترة الأشهر الثلاثة التي تلت الاعتقال بعد أن وقعوا على وثيقة تلزمهم بالهجرة من ألمانيا.

وخلال مؤتمر باشتراك كبار المسؤولين النازيين تحت إشراف الرايخسمارشال غورينغ في مكاتب وزارة النقل الجوي بتاريخ 12 تشرين الثاني 1938، تم إلزام اليهود بدفع "تعويضات" بمبلغ مليار رايخسمارك عن الأضرار التي لحقت خلال المذبحة التي ارتكبت ضدهم. وشهدت فترة الأسابيع والأشهر التالية وابلاً من الأوامر والقرارات التمييزية والإجراءات القمعية التي تمت صياغتها خلال المؤتمر بوزارة النقل الجوي أنزلت على اليهود العزل في ألمانيا والنمسا، بحيث تم تجريدهم من مصادر رزقهم وممّا تبقى لهم من حقوق قانونية. وأصبح اليهود منبوذين اجتماعياً وكان بالإمكان التصرف بهم بشتى الوسائل. وقال غورينغ "لا أرغب في أن أكون يهودياً في ألمانيا".

كانت الجالية اليهودية في ألمانيا، وهي أول ضحية للنظام النازي، من بين أقدم الجاليات اليهودية في أوروبا. وكثيراً ما كان ينظر إلى اليهود في ألمانيا حتى عام 1933 كمثال للنجاح في تحرر اليهود ومساواتهم وللتفاعل الإبداعي بين اليهود والبيئة غير اليهودية المحيطة بهم. واعتبر معظم اليهود الألمان أنفسهم بأنهم لا يقلون ألمانية عن أي من جيرانهم المسيحيين. وقد قتل حوالي اثني عشر ألفاً منهم في ساحة المعركة إبان الحرب العالمية الأولى أثناء محاربتهم من أجل مصالح وكرامة دولتهم المحبوبة.

وخلال الأيام الأولى للنظام النازي، كان من الصعب على اليهود القبول بأن يحاول أحد تجريدهم من حقوقهم وهويتهم الالمانية وبأنه يمكن جعلهم منبوذين في دولتهم. "إن الألماني تبقى ألمانيا" – هذا ما جاء في المقال الافتتاحي لصحيفة نشرتها المنظمة التي مثلت الأغلبية العظمى من أبناء الجالية اليهودية الألمانية – وهي الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أبناء العقيدة اليهودية. وقد قالت الصحيفة: "لا أحد يستطيع تجريدنا من وطننا وأرض آبائنا. " ومن الجانب الآخر للشقاق العقائدي كان هناك الصهيونيون الألمان الذين كانوا متشائمين أكثر حيال مدى قدرة التلاحم اليهودي الألماني على البقاء وكان يبدو أنهم يصغون بشكل أفضل إلى أنغام الأيام الجديدة. ولكنه حتى هؤلاء لم يكن بإمكانهم التكهن بالحجم الحقيقي الكامل للتهديد النازي للوجود اليهودي.

وكان اليهود يميلون إلى الافتراض بأن الصبغة الثورية للنظام النازي ستستنفد نفسها بعد مرور بضعة أشهر من تولي مقاليد الحكم وبأن أمر النازيين سيفتضح بحيث سيتبين بأنهم ليسوا خطرين مثلما كان يبدو في البداية.

وإلى حد ما كان اليهود من نشطاء حركات اشتراكية وشيوعية من بين الأوائل الذين أصبحوا واعين بالخطر، إذ إنهم كانوا معرضين للاضطهادات المضاعفة، على خلفية سياسية وعنصرية على حد سواء.

وبعد الصدمة الأولى بدأت الجالية اليهودية في ألمانيا بتنظيم هياكلها تجاوباً مع الظروف الجديدة التي أصبحت تحيط بها. وتم في مرحلة مبكرة نسبياً، أي في نيسان عام 1933 تشكيل اللجنة المركزية من أجل المساعدة وإعادة الإعمار، والتي قامت بتنسيق تشكيلة واسعة من النشاطات الخيرية والرفاهية للجالية اليهودية المضطهدة. وفي 17 أيلول 1933 تأسست الممثلية القطرية لليهود الألمان وتولت المسؤولية عن كافة المواضيع الخاصة بالتمثيل السياسي لليهود.

ولم يكن أبناء الجالية اليهودية في ألمانيا قادرين على ممارسة أي معارضة سياسية ضد النازيين، وذلك باعتبارهم أقلية صغيرة تعيش في ظل نظام حكم عنيف وشديد السيطرة. وقد تبددت آمال اليهود من أنه كان سيصبح من الممكن تسوية وضع اليهود في ألمانيا بصورة متسامحة من خلال مفاوضات بين الجالية اليهودية من جهة والنظام الألماني من جهة أخرى. والشيء الذي بقي في أعقاب ذلك أمام القيادة اليهودية هو التركيز على الحياة الداخلية للجالية اليهودية. ومن بين النتائج الهامة لهذا التركيز تعميق التوعية اليهودية وتقوية الأواصر الداخلية للتضامن اليهودي تحت وطأة الاضطهاد.

وكلما ازدادت عزلة اليهود تركزت المنظمات اليهودية على العمل في مجال الرفاه الاجتماعي وتقديم المساعدات للمحتاجين. وقد أقامت نظاماً تعليمياً يهودياً للأولاد الذين أبعدوا عن المدارس الألمانية وأسست منظمة "الاتحاد الثقافي" وهي عبارة عن منظمة كان بإمكان الفنانين اليهود التعبير عن أنفسهم في نطاقها.

ولدى حلول أواسط الثلاثينات كثفت المنظمات اليهودية تركيزها على النشاطات الخاصة بالهجرة من ألمانيا. وقد قامت بتوزيع معلومات عن الدول المختلفة التي كان من الممكن الهجرة إليها وقامت بتنظيم دورات لتعليم اللغات وللتأهيل المهني. واستمرت هذه التشكيلة الواسعة من النشاطات حتى الفترة التي سبقت مجزرة تشرين الثاني 1938. وبعد هذه المجزرة فرض النازيون قيوداً على هذه النشاطات وكان بإمكان المنظمات اليهودية الاستمرار فيها على نطاق أقل بكثير.

إن الرد الأكثر استقامة على هذا السؤال هو بكل بساطة أنه لم يكن أمام اليهود مكان كان بإمكانهم التوجه إليه. وكما قال حايم وايزمان في ملاحظته المشهورة التي أدلى بها في كانون الأول 1936 :- "هناك الآن نوعان من الدول في العالم، تلك التي تريد طرد اليهود من أراضيها وتلك التي لا تريد استقبالهم لديها".

وكانت الممارسات المقيِّدة للدول الأجنبية الرئيسية تجاه اللاجئين اليهود تعكس مناخاً دولياً كان يميل إلى ممارسة سياسة الحمائية الاقتصادية إلى جانب معاداة الأجانب واللاسامية الصريحة. وقد انتهى المؤتمر الدولي من أجل اللاجئين الذي عقد في مدينة إفيان الفرنسية في تموز 1938 بمبادرة من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت بالفشل الذريع. وباستثناء جمهورية الدومينيكان، فإن أياً من ممثلي الدول الاثنتين والثلاثين التي شاركت في المؤتمر، لم يقدم أي بصيص من الأمل للاجئين اليهود المحتملين من ألمانيا والنمسا.

هناك تفسير آخر لهذه المسألة وهو أن التطبيق غير المتواصل وغير المتساوي للضغوط اللاسامية إبان السنوات الأولى للنظام الهتلري بعث برسائل مضطربة إلى الضحايا اليهود، بحيث تلاشى لديهم الشعور بالخطر ودفع بهم إلى الاعتقاد بأن ذروة الشر قد مرت وأصبحت في خبر كان. وفي أعقاب ضم النمسا في آذار 1938 وتطبيق السياسة النازية الجديدة للهجرة بالإكراه، فقد سارع العديد من اليهود للهجرة. وأصبحت موجة الهجرة هذه أكثر كثافة بعد مجزرة تشرين الثاني1938. ولدى حلول هذا الموعد أصبح اليهود مستعدين للهجرة إلى أي مكان ممكن.

خلال السنوات الأولى للنظام النازي، فإن معظم اليهود الألمان المهاجرين توجه إلى دول أوروبية مجاورة وإلى فلسطين تحت الانتداب البريطاني. من جهة أخرى، فإن هذه الصورة قد تغيّرت إلى حد كبير بعد عام 1936 وخاصة في عام 1938. وخلال هذه الفترة ،عندما أصبحت الهجرة إلى فلسطين وإلى معظم الدول الأوروبية صعبة أكثر فأكثر، فقد تدهورت أوضاع اليهود في ألمانيا بحيث أصبح اليهود مستعدين أكثر للنظر في إمكانية الهجرة إلى دول بعيدة أكثر، وخاصة إلى أمريكا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت معاناة اليهود في النمسا أكثر يأساً بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية في آذار 1938 ومجرزة "ليلة الزجاج المحطم في تشرين الثاني من نفس العام، والتي أثارت صدمة لدى اليهود في كافة أنحاء ألمانيا النازية، فقامت الولايات المتحدة وبريطانيا بتليين القيود التي فرضتاها على الهجرة بعض الشيء.

ومن خلال المساعي المكثفة التي قام بها اليهود للتخلص من الشرك النازي، فقد توجه لاجئون يهود من ألمانيا والنمسا إلى حيث استطاعواً. وقد سافر بعضهم حتى مدينة شانغهاي الصينية، والتي كانت أحد الأماكن القليلة التي وافقت على استقبال المهاجرين بلا قيود. وحاول آخرون الوصول بصورة خفية إلى فلسطين التي تحت الانتداب البريطاني، مع الالتفاف على القيود التي فرضتها السلطات البريطانية على هجرة اليهود إليها.

وتشير التقديرات إلى أن حوالي 366000 يهودي هاجروا من ألمانيا والمناطق التي ضُمّت إليها خلال الفترة ما بين عامي 1933-1939. وقد توجّه هؤلاء المهاجرون بشكل خاص إلى الولايات المتحدة وفلسطين وأمريكا اللاتينية وإلى شانغهاي، إضافة إلى دول أوروبية مختلفة.

الغيتوات

كان الغيتو الأكبر في مدينة وارسو وتم تجميع حوالي 445500 يهودي فيه. وبعد عمليات الترحيل الجماعي الكبرى إلى معسكر الإبادة تربلينكا في صيف عام 1942 والتمردين اللذين وقعا فيه في كانون الثاني ونيسان عام 1943, تم القضاء على غيتو وارسو في أيار عام 1943. وتواجد في الغيتو بمدينة لوج أكثر من 160000 يهودي عندما كانت عملية تجميع اليهود فيه في أوجها. وتم القضاء على هذا الغيتو على مراحل: خلال الموجة الأولى من عمليات الترحيل إلى معسكر خيلمنو في الفترة ما بين شهري كانون الثاني وأيار 1942، في العديد من عمليات الترحيل التي تلت والتي نقل اليهود خلالها بالدرجة الأولى إلى معسكري الإبادة خيلمنو وآوشفيتس-بيركناو وفي عملية التصفية النهائية التي جرت بتاريخ 30 آب 1944. وتم في الغيتو بمدينة لفوف تجميع 110000 يهودي لدى إقامته في تشرين الثاني عام 1941. وتم ترحيل آخر من تبقى فيه من آلاف معدودة من اليهود في حزيران عام 1943, وذلك بعد أن تم قبل ذلك ترحيل الآخرين إلى معسكري الإبادة بيلجيتس ويانوفسكا، حيث قتلوا. وتم في غيتو بمدينة مينسك تجميع حوالي 100000 يهودي من سكان نفس المدينة والبلدات والقرى المحيطة بها ومن أماكن أخرى من الرايخ الألماني أيضاً. وتم القضاء على الغيتو بمدينة مينسك بتاريخ 21 تشرين الأول عام 1943 وذلك بعد قتل معظم سكانه اليهود رميا بالرصاص في "مالي تروستينيتس" و"توتشينكا". وفي فصل الصيف من عام 1941 تعرض اليهود من سكان فيلنيوس وعددهم حوالي 57000 نسمة لأول مرة لموجة من القتل الجماعي وذلك قبل إقامة الغيتو في هذه المدينة. وفي نهاية الأمر أقيم غيتوان في هذه المدينة:- الأول للضعفاء والآخر للأقوياء. وتم إخلاء غيتو الضعفاء وقتل سكانه رمياً بالرصاص في بونار. ولاقى عدد من سكان الغيتو الآخر نفس المصير. وانتهت موجة القتل الجماعي هذه في كانون الأول عام 1941. أما اليهود المتبقون, وعددهم حوالي 20000 نسمة، فقد أقاموا في الغيتو حتى تمرد غيتو فيلنيوس، والذي مني بالفشل. وتم ترحيل الآلاف القليلة المتبقية من اليهود إلى معسكرات في استونيا بتاريخ 23 ايلول عام 1943. وتم القضاء على الغيتو في بياليستوك الذي تم فيه أصلاً تجميع حوالي 50000 يهودي بتاريخ 16 آب 1943. وخلال عملية التصفية بادرت حركة المقاومة السرية اليهودية إلى مقاومة الألمان بالأسلحة.

في بولندا كان معظم اليهود يعانون حالة من العوز والفقر حتى قبل دخولهم إلى الغيتوات وذلك نتيجة للقوانين والأوامر التي صدرت ضدهم من قبل السلطات. وفي المناطق التي احتلها النازيون في الاتحاد السوفييتي أقيمت الغيتوات عادة بعد أن تعرض اليهود لموجة من القتل الجماعي. وفي الغيتوات صادر النازيون كل ما تبقى لليهود من أملاك وحرموهم من إمكانية الحصول حتى على الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية. وأقيمت الغيتوات عادة في المناطق الفقيرة من المدن. وكانت المنطقة التي تم تقييد وجود اليهود فيها مكتظة ولم يسمح لغير اليهود بدخول "مناطق إقامة اليهود". وتمت إحاطة العديد من الغيتوات بأسوار أو بأسيجة وذلك من أجل فرض عزلة اليهود وتفريقهم عن جيرانهم وعن العالم الخارجي. وكان الغرض من الغيتوات أن تكون بمثابة مواقع تجميع مؤقتة خاضعة لسيطرة دقيقة كان من الممكن استغلال القوى العاملة لسكانها لحين ترحيلهم بموجب سياسة ألمانية مستقبلية.

لقد تم احتجاز اليهود في معظم الغيتوات في ظروف مروعة. وأدت حالة الاكتظاظ المفرط الخطيرة وعدم توفر ظروف صحية ملائمة والتجويع الحاد والحرمان من الأدوية الأساسية إلى تفشي الأوبئة بسرعة في العديد من الغيتوات. وأدت الظروف القاسية والساعات المطولة من الأشغال الشاقة إلى إضعاف اليهود مرة أخرى. وفي غيتو وارسو، الذي كان الحي الأكبر من هذا النوع، توفي حوالي 85000 يهودي – أي حوالي عشرين بالمائة من سكانه - نتيجة الظروف القاسية حتى قبل أن يكون النازيون قد بدأوا بعملية ترحيلهم إلى معسكرات الإبادة. وكانت غيتوات أخرى قد شهدت نفس النسبة من الوفيات وحتى إذا كانت الظروف هناك أفضل بعض الشيء، فإن معاناة السكان هناك كانت كبيرة جداً.

على الرغم من خضوع حياة اليهود في الغيتوات لمراقبة دقيقة من قبل السلطات الألمانية، فقد عملوا كل ما بوسعهم للمحافظة على حياتهم من الناحيتين الجسدية والروحانية على حد سواء.وقد استخدموا جميع الوسائل القانونية المتاحة والتجأوا إلى وسائل "غير قانونية" أيضاً في محاولاتهم للتجاوب مع الظروف القاسية التي فرضت على حياتهم في الغيتوات. وتم تنظيم مجالس يهودية من أجل الإسكان وتوزيع الأغذية وتوفير خدمات الرفاه الاجتماعي ورعاية الأطفال ومساعدة اللاجئين وتقديم خدمات أخرى. وتم خلال ذلك استنفاد أقصى حد ممكن من الموارد الضئيلة التي كانت متوفرة، وتم أحياناً تجاوز حدود الإمكانيات المتاحة. وفي بعض الغيتوات تم تأسيس منظمات تعنى بالرفاه الاجتماعي وأقيمت أحزاب سياسية في الخفاء من أجل تزويد أعضائها بمزيد من المساعدة والدعم المعنوي. وقد سعت العائلات وحلقات الأصدقاء إلى تقديم المساعدة لأبنائها قدر الإمكان.

وأصبح اليهود في العديد من الغيتوات يدركون، على الصعيد الفردي والجماعي على حد سواء، بأن النازيين قاموا بحشرهم في الزاوية. وتبين لهم بأنه إذا اطاعوا النازيين، فهم سيموتون مبكراً إما جوعاً أو نتيجة لأمراض. وإذا ألقي القبض عليهم وهم يخرقون القوانين من خلال تهريب المواد الغذائية والمؤن والمعلومات، فسيكون الموت مصيرهم المحتوم عندئذ أيضاً. وكان المغزى من سياسة العقاب الجماعي للنازيين أن يدفع العديد من الأبرياء ثمن أفعال الأفراد، وخاصة من أفراد العائلة القريبة. وكلّفت هذه السياسة اليهود ثمناً باهظاً ولكن اليهود اختاروا في كثير من الأحيان أن يكونوا "خارجين عن القانون" في نضالهم من أجل البقاء.

لقد بادر الألمان في كل دولة فرضوا سيطرتهم عليها إبان الحرب إلى تشكيل منظمة قيادية يهودية كانت معروفة عادة باسم "يودنرات" أي المجلس اليهودي، أو ب"مجلس الوجهاء". وقد أقامت معظم الدول المتحالفة مع ألمانيا أمثال سلوفاكيا مجالس من هذا القبيل. وكان الهدف منها حيازة أداة يمكن بواسطتها التحكم باليهود وعزلهم عن العالم الخارجي وتطبيق أوامر مختلفة. وبشكل عام حاولت السلطات تعيين زعماء يهود كانوا معروفين في الفترة ما قبل الحرب إضافة إلى شخصيات عامة محترمة في هذه المجالس. ووجد أعضاء هذه المجالس أنفسهم في وضع مأسوي حيث أرادوا الاهتمام باحتياجات اليهود في الوقت الذي وجهت إليهم مطالب قاسية من قبل السلطات.

وحاولت المجالس اليهودية تبني سياسات مختلفة كان أعضاؤها يعتقدون بأنها ستساعد اليهود. وتراوحت هذه السياسات بين الدعم الفعال للحركات السرية ولمجموعات المقاومة المسلحة وبين التعاون شبه التام مع السلطات في تنفيذ سياساتها. وكان أعضاء هذه المجالس يؤمنون بأن هذه التعاون سيحول دون اتخاذ إجراءات أسوأ ممّا تم تطبيقها حتى ذلك الحين. وكلما اقتربت عمليات الترحيل الجماعي وما رافقها من إحساس لدى العديد من الزعماء اليهود بأن عمليات الترحيل هذه ستكون فتاكة، أصبحت قضية الانصياع أو عدم الانصياع لأوامر النازيين تنطوي على مغزى أكثر أهمية. وقد آثر رئيس المجلس اليهودي في وارسو آدم تشرنياكوف الانتحار بدلاً من الرضوخ لمطالب النازيين بتقديم قوائم من اليهود من أجل عملية الترحيل. وفي لوج اختار رئيس المجلس اليهودي مردخاي حاييم رومكوفسكي الاستمرار في الانصياع لأوامر النازيين على أمل أن يؤدي ذلك إلى أنقاذ بعض سكان الغيتو وخاصة العمال منهم والذين كان يعتقد بانهم يتمتعون باحتمالات أكثر للبقاء على قيد الحياة. وقد سلّم رومكوفسكي النازيين قوائم بأسماء اليهود بل إنه توسل إلى الأمهات بتسليم أولادهن الصغار.. وخلافاً لما كانت الأوضاع عليه في لوج، فقد خطط المجلس اليهودي في غيتو توتشين للقيام بعملية المقاومة المسلحة والفرار الجماعي ونفذ هذه العملية، ولكن دون تحقيق الكثير من النجاح.

القتل الجماعي

إن الموعد الدقيق لتبني السياسة النازية بقتل جميع اليهود ليس واضحاً بصورة تامة. ولم يتم العثور على أي وثيقة خطية من هتلر بهذا المعنى، رغم أنه يوجد العديد من الوثائق التي تشتمل على شهادات وبينات حول تخطيط وتنفيذ مثل هذه السياسة. وهناك إجماع في الفترة الحالية بين المؤرخين على أنه لم تكن لدى النازيين في الفترة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية خطة محددة لقتل يهود أوروبا. من جهة أخرى، فإن السياسة التي كانت ستعرف فيما بعد ب"الحل النهائي" والتي دعت إلى قتل جميع اليهود، فقد تطورت إبان الحرب العالمية الثانية نفسها.

في الوقت الذي احتلت فيه ألمانيا بولندا في خريف عام 1939, اجتاز النازيون الخط الفاصل بين أشكال التمييز المبكرة والقتل الجماعي. وقد أسفرت حملات القتل الجماعي التي ارتكبت بين الفينة والأخرى في المناطق المحتلة التي كان يقطنها معظم اليهود في بولندا عن قتل الآلاف خلال الأشهر الأخيرة من عام 1939. ومع غزو الاتحاد السوفييتي الذي بدأ بتاريخ 22 حزيران عام 1941, فقد تم الشروع في تطبيق حملات على نطاق أوسع ضد اليهود. وفي البداية قامت تشكيلات ألمانية مسلحة وفي مقدمتها الوحدات الخاصة التابعة لقوات الكوماندو النازية الإس.إس. والمعروفة بال"آينزاتسغروبن"، بالتعاون مع متطوعين محليين، بقتل ذكور من الجالية اليهودية رمياً بالرصاص، إضافة إلى موظفين سياسيين شيوعيين – وذلك بطريقة القتل الجماعي المنظّم.

وفي 31 تموز 1941 عُين "الرجل الثاني" في وحدات الإس.إس.، راينهارد هايدريخ على يد نائب هتلر هرمان غورينغ مسؤولاً عن "الحل النهائي للمشكلة اليهودية في أوروبا". وفي أواسط شهر آب من نفس العام، عندما زار قائد وحدات الإس.إس. هاينريخ هيملر المناطق السوفييتية التي أحتلت حديثاً، وسّع الألمان نطاق عمليات القتل لتشمل النساء والأولاد اليهود. وبعد مرور فترة قصيرة من ذلك بدأت التجارب باستخدام الغاز من نوع "تسيكلون ب" كوسيلة للقتل الجماعي. وجرت هذه التجارب في آوشفيتس على أسرى حرب سوفييت.

وبدأت عملية إبعاد اليهود من الرايخ الألماني في أواسط تشرين الأول عام 1941، ثم صدر مرسوم بعد مرور أيام معدودة من ذلك يحظر أي هجرة يهودية أخرى من الرايخ. وفي نفس شهر تشرين الأول تم اختيار مواقع لإقامة معسكرات الإبادة الأولى. وفي بداية شهر كانون أول ديسمبر من نفس العام بدأ معسكر الإبادة الأول في خيلمنو بالعمل. وتم هناك قتل اليهود بواسطة الغاز المنبعث من ماسورة العادم التابعة لسيارات شحن. وخلال نفس الفترة قتل عشرات الآلاف من اليهود من قبل تشكيلات نازية مختلفة وحلفاء النازيين في صربيا ورومانيا والمنطقة التي سيطرت عليها رومانيا والتي كانت معروفة باسم "ترانسنيستريا". وعلى ضوء ذلك، فإن عملية قتل اليهود أصبحت بمثابة حملة شاملة التقت من جهات مختلفة.

خلال اجتماع بين هتلر وأعضاء الحلقة الداخلية الأولى من قادة النظام النازي عقد بتاريخ 12 كانون أول 1941, تمت مناقشة قتل يهود الاتحاد السوفييتي والقيام بحملات قتل جديدة ضد اليهود الألمان. وقد اتضح منذ هذا الاجتماع بأن هتلر كان ضالعاً عن قرب في تطوير سياسة قتل اليهود. وفي بداية شهر كانون الأول من هذا العام تم تحديد موعد لاجتماع في "فانزي" تحت إشراف هايدريخ لتنسيق عمليات قتل اليهود، التي كانت لا تزال مستمرة في ذلك الحين. من جهة أخرى، تقرر إرجاء هذا الاجتماع إلى 20 كانون ثاني يناير عام 1942, في أعقاب الاعتداء الياباني على بيرل هاربور. ويستدل إلى حد كبير من هذه الأحداث بأن خطة الحل النهائي قد تبلورت في موعد ما خلال النصف الثاني من عام 1941 وبأن هتلر وغورينغ وهيملر وهايدريخ وزعماء نازيين آخرين كانوا يشكّلون جزءاً لا يتجزأ من عملية صنع القرار التي أدت إلى القتل الجماعي لليهود.

إن المعنى من كلمة "آينزاتسغروبي" باللغة الألمانية هو "قوات لتنفيذ مهمة" أو "قوات التدخل". وقامت قوات الإس.إس. بتشكيل مثل هذه الوحدات قبل دخولها النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا ولكن أكثر هذه الوحدات روعة وفظاعة عملت في الاتحاد السوفييتي. وكانت مهمة وحدات ال"آينزاتسغروبي" في بولندا بث الرعب في صفوف السكان المحليين وقتل أي منهم اعتبرته قوات الإس.إس. عنصراً غير مرغوب فيه. وتم تشكيل وحدت ال"آينزاتسغروبي" قبل غزو الاتحاد السوفييتي في حزيران عام 1941 وتم تقسيمها إلى أربع وحدات رئيسية ووحدات ثنائية بحيث كانت مهمتها القضاء على ما كان يبدو لها بأنه يشكل جزءاً من البنية التحتية الأيديولوجية للاتحاد السوفييتي، بما في ذلك المسؤولون السياسيون وأعضاء الحزب الشيوعي وأولاً وقبل كل شيء اليهود. وكانت الغالبية العظمى من قادة هذه الوحدات من حملة الشهادات الجامعية وكان لهم التزام شديد ببناء ما اعتبروه المجتمع النازي المثالي وهو المجتمع النقي من الناحيتين الأيديولوجية والعنصرية وبالأحرى المجتمع بدون يهود.

وتقدمت وحدات ال"أينزاتسغروبي" إلى داخل الإتحاد السوفييتي مع قوات الجيش الألماني الغازية. وفي كل مكان توقفت فيه قامت بجمع أكبر عدد من اليهود كان بإمكانهم العثور عليه وبقتلهم عن سابق إصرار. وتم في البداية قتل الذكور من بين اليهود ثم امتدت أعمال القتل هذه لتشمل النساء والأطفال أيضاً. وكتبت هذه الوحدات تقارير يومية مفصّلة عن نشاطاتها ولا تزال نسخ من هذه التقارير موجودة حتى أيامنا هذه. وبحسب التقارير غير النهائية التي أصدرتها هذه الوحدات, فقد قتلت 900000 يهودي على الأقل وتلقت مساعدات من وحدات أخرى في قتل عدد إضافي من اليهود يصل إلى حوالي ستمائة ألف شخص.

لقد لعبت معظم شرائح المجتمع الألماني دوراً في قتل اليهود بصورة مباشرة وغير مباشرة على حد سواء. وحضر مؤتمر "فانزي" الذي تم فيه تنسيق خطة الحل النهائي ممثلون عن جميع الدوائر والوكالات الحكومية الرئيسية في ألمانيا. وكانت وحدات الإس.إس. تقف في طليعة عملية القتل وكثيراً ما كانت تتعاون مع هيئات أخرى. وكانت هذه الهيئات تشتمل على فرق الإس.إس. وتشكيلات الشرطة ووحدات من القوات المسلّحة الألمانية ووحدات من غير الألمان انضمت إلى القوات الألمانية وأحياناً مجموعات أخرى كانت مشاركتها تبدو غير معقولة على الإطلاق مثل طواقم البناء وأعضاء فرق موسيقية. وقد قتل حوالي مليون وخمسمائة ألف يهودي رمياً بالرصاص من قبل وحدات الإينزاتسغروبن وأعوانها. وقد مات ملايين اليهود من جميع أنحاء أوروبا في معسكرات الإبادة التي كانت تديرها وحدات الإس.إس. وتم القضاء على الجالية اليهودية في صربيا بكاملها في عملية مشتركة قامت بها وحدات عسكرية نظامية ألمانية وفرق الإس.إس. وفي المناطق الرومانية التي كانت تحت السيطرة الألمانية كان الجيش الحادي عشر من القوات المسلحة الألمانية متورطاً إلى حد كبير في عملية القتل، إلى جانب الوحدة (دي) من الآينزاتسغروبن ووحدات عسكرية رومانية ومجموعات من المدنيين إضافة إلى ميليشيات أوكرانية محلية. وتوفي مئات الآلاف في معسكرات الاعتقال والأشغال الشاقة التي كانت تديرها وحدات الإس.إس. أو في الغيتوات. وتمت ملاحقة عشرات آلاف اليهود الذين حاولوا الفرار من القبض بصورة حثيثة بدون انقطاع الواحد تلو الآخر من قبل وحدات الإس.إس. وتشكيلات ألمانية مسلّحة أخرى.

وكانت سلطات حكومية ألمانية أخرى ومدنيون ألمان متورطين في عملية القتل. وفي جميع أنحاء أوروبا الشرقية تمت عادة إدارة الغيتوات من قبل سلطات إدارية مدنية ألمانية اشتملت على محامين ومهندسين وأطباء وأصحاب مناصب رسمية أخرى.

وقد استغل أرباب الصناعة الألمان ملايين الناس للقيام بالأشغال الشاقة في ظروف العبودية. وكانت نسبة الوفيات بين العمال اليهود عالية بشكل خاص، علماً بأن اليهود كانوا في أسفل درجة من السلّم الاجتماعي في المعسكرات والمصانع. ولم تكن عملية ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة والاعتقال ومن معسكر إلى آخر ممكنة لولا الجهود المركّزة التي قامت بها شركة القطارات الألمانية – على سبيل المثال.أضف إلى ذلك أن العديد من المدنيين من غير الألمان شاركوا بمحض إرادتهم في عمليات القتل. ولم يكن هناك خلال أي مرحلة من المراحل نقص في الأفراد الذين كانوا مستعدين للمشاركة في قتل اليهود.

لقد كانت شاحنات الغاز عبارة عن شاحنات استخدمت لقتل يهود وآخرين خنقاً. وفي المرحلة الأولى تم تسريب غاز أول أكسيد الكربون المنبعث من عملية احتراق البنزين في محركات الشاحنات إلى غرف محكمة الإغلاق. ونفذت التجارب الأولى باستخدام شاحنات الغاز لقتل أولاد مصابين بأمراض عقلية في (كوخانوفكا) القريبة من مدينة لوج في عام 1940. ثم بعد ذلك، في ايلول عام 1941 قتل أسرى حرب سوفييت في معسكر زاكسنهاوزن من خلال تسريب الغاز إلى قمرة الشحن المحكمة الإغلاق التابعة للشاحنة نفسها. وبعد مرور شهرين على ذلك باتت شاحنات الغاز تستخدم في الاتحاد السوفييتي كجزء من عملية قتل اليهود التي كانت وحدات الآينزاتسغروبن تقف في طليعتها. وبعد إقامة معسكر الإبادة "خيلمنو" في كانون الأول 1941، تم استخدام ثلاث شاحنات للغاز كأدوات للموت. واستخدمت شاحنات الغاز في أماكن أخرى أيضاً، وعلى سبيل المثال قتل يهود – معظمهم من النساء والأطفال – بواسطة شاحنات الغاز قرب بلغراد في صربيا في أوائل عام 1942. وإجمالا استخدمت شاحنات الغاز لقتل حوالي 700000 شخص، حوالي نصف منهم في معسكر الإبادة "خيلمنو".

في معسكرات الإبادة التي أقيمت في نطاق " حملة راينهاردت" – أي بيلجتس وسوبيبور وتربلينكا – فإن الغاز الأول الذي استخدم لقتل الناس كان أول أكسيد الكربون – إما المنبعث من محركات البنزين أو من اسطوانات كانت تحتوي على هذا النوع من الغاز. وفي مايدانك استخدمت تشكيلة متنوعة من الغازات. وقد بدأت التجارب في استخدام ال"تسيكلون ب" وهو عبارة عن نوع من هيدروجين السيانيد – أو الحامض البروسي – في آوشفيتس في ايلول 1941. وتم تزويد كريات الغاز من قبل "ديغيش" وهي شركة تعاونية ألمانية لإنتاج مبيدات الحشرات، متفرعة عن شركة الأصباغ "آ. غي. فاربن". كما قامت شركة "تيش وستابينوف" من هامبورغ بتزويد كريات الغاز أيضاً. وقامت شركة "ي.آ. توبف وأبناؤه" من مدينة إيرفورت الألمانية ببناء غرف الغاز المحسنة وأفران حرق الجثث في آوشفيتس بيركناو.

لقد أقام النازيون فور توليهم مقاليد الحكم معسكرات لسجن أولئك الذين اعتبروهم معارضين لنظام حكمهم – وبالأحرى الشيوعيون والاشتراكيون وزعماء النقابات المهنية وآخرون كانوا يعتبرون "تهديداً" لنظام حكمهم. وتمت معاملتهم في هذه المعسكرات بقساوة متناهية. وكان الغرض من هذه المعسكرات تحطيم المعارضة وبث الخوف في صفوف السكان من أجل التأكد من أنه لن تظهر أي معارضة أخرى فيما بعد. وأقيم معسكر الاعتقال الأول في داخاو بتاريخ 23 آذار 1933 أي بعد مرور شهرين فقط على تعيين هتلر مستشاراً لألمانيا. وأصبح داخاو موقع التدريب لحراس الإس.إس. وكان قائده الأول تيودور آيكيه الذي وضع الكثير من السوابق من حيث المعاملة القاسية والتي تم تطبيقها فيما بعد في نظام معسكرات الاعتقال الآخذ في التوسع. ومن بين المعسكرات الرئيسية التي أقيمت في ألمانيا الكبرى بوخنفالد وماوتهاوزن ونوينغامي ورافنسبروك وزاكسنهاوزن. وخلال فترة ضم النمسا وأكثر من ذلك بعد المجزرة التي ارتكبت ضد اليهود في تشرين الثاني 1938 – أي "ليلة الزجاج المحطم" – لم يعد الناس يوضعون في السجن بالدرجة الأولى بسبب نشاطاتهم المحتملة، بل تم الشروع في وضع الناس رهن الاعتقال لأسباب عنصرية. وكلما استولى النازيون على المزيد من المناطق، كلما قاموا بتوسيع شبكة معسكرات الاعتقال واستخدموها كأداة في نطاق خطتهم الرامية إلى إعادة تنظيم المجتمع الأوروبي استناداً إلى أسس عنصرية. كما وضع في معسكرات الاعتقال عناصر أخرى اعتبرها النظام النازي بأنها مزعجة اجتماعياً – بينهم مثليو الجنس وشهود يهوة ومجرمو الحق العام، إضافة إلى أناس حاربوا إلى جانب الفرق الدولية في الحرب الأهلية الاسبانية، وحتى هواة موسيقى الجاز. وكانت الأشغال الشاقة القسرية تشكل دائماً جزءاً من نظام معسكرات الاعتقال بل أصبحت عنصراً رئيسياً أكثر فأكثر في هذه المعسكرات. وبالحقيقة فإن النازيين لم يطلقوا على جميع معسكراتهم اسم "معسكرات الاعتقال". وكان بعضها يعتبر معسكرات للعمل أو معسكرات للأشغال الشاقة، في حين أطلق على بعضها الآخر اسم "معسكرات انتقالية" أو "معسكرات التبادل". وقد مات العديد من السجناء في هذه المعسكرات وخاصة أثناء الحرب، نتيجة لظروف العمل غير الإنسانية وقساوة أفراد طواقم المعسكرات والظروف المعيشية المروعة فيها. ومع بدء إطلاق خطة "الحل النهائي" أقيمت ستة معسكرات إبادة لغرض قتل السجناء بصورة منظمة – وخاصة السجناء اليهود. وفي كرواتيا التي كان يحكمها نظام ال"أوستاشي" المتعاون مع النازيين أقيم معسكر واسع للاعتقال وللإبادة في ياسينوفاتس، حيث قتل فيه بالدرجة الأولى أبناء الأقلية الصربية، إضافة إلى اليهود المحليين أيضاً.

لقد أقيمت معسكرات الإبادة لتكون مراكز لصناعة القتل الجماعي. وتم استقدام ملايين الناس، غالبيتهم الساحقة من اليهود، إلى معسكرات الإبادة، عادة بواسطة القطارات. وكان هناك طاقم مسؤول عن إنجاز المذبحة المنظمة بواسطة آلة الموت المنظمة. وتم جمع الممتلكات الشخصية للضحايا، بما في ذلك الأسنان الذهبية وشعر الرأس واستخدامها بوسائل شتى من قبل السلطات. وتم حرق جثث الضحايا إما في الأفران التي أعدت خصيصاً لهذا الغرض أو في حُفر.وكان أول معسكر أعدّ خصيصاً بصفة معسكر إبادة قد أقيم في "خيلمنو" (كولمهوف) في بولندا. وبدأ العمل فيه في الثامن من كانون الأول عام 1941 عندما تم نقل اليهود من المناطق المحيطة به إليه. واستخدمت شاحنات الغاز لتنفيذ عملية القتل.وفي نهاية الأمر قتل حوالي 330000 شخص في هذا المعسكر، معظمهم من اليهود. وفي بداية عام 1942 بدأ النازيون عملية قتل اليهود في ثلاثة معسكرات للإبادة في نطاق خطة "حملة راينهاردت" – وهي بيلجتس وسوبيبور وتربلينكا. وقتل معظم يهود بولندا في هذه المسكرات خلال عامي 1942 و- 1943. وإجمالاً قتل حوالي مليون وسبعمائة ألف يهودي في "معسكرات راينهاردت". وكان معسكر "مايدانك" مخصصاً للاعتقال وللأشغال العبودية الشاقة وكمركز للقتل على حد سواء. وخلافاً للمعسكرات التي كانت جزءاً من "حملة راينهاردت" فإن معظم السجناء في مايندانك لم يكونوا من اليهود. وكان أشد معسكرات الإبادة شراسة قد أقيم في آوشفيتس، بحيث اتسع وأصبح في نهاية الأمر مجمعاً كبيراً من معسكرات العمل الرئيسية والثانوية. وبدأ مركز الإبادة هناك بالعمل في فصل الربيع من عام 1942 بعد أن تم تشييد غرف الغاز الكبرى في معسكر بيركناو المجاور (آوشفيتس -2). وقتل العديد من اليهود فور وصولهم إلى آوشفيتس، في حين نقل آخرون للأشغال الشاقة، ثم بعد أن لم يعد باستطاعتهم مواصلة العمل تم نقلهم إلى بيركناو حيث قتلوا في غرف الغاز. وفي نهاية الأمر قتل في هذا المعسكر حوالي مليون يهودي ومائة ألف شخص من أبناء دول ومجموعات عرقية مختلفة من البولنديين والغجر وأسرى حرب من الاتحاد السوفييتي وأبناء مجموعات قومية أخرى.

عندما أظهر الرايخ الثالث الألماني علامات الضعف الأولى وانهارت الجبهة الشرقية، أصدر القائد الأعلى لوحدات الإس.إس. هاينريخ هيملر أوامره بعدم ترك أي سجين من المعسكرات يقع حياً بأيدي قوات الحلفاء. وفي نهاية عام 1944 بدأ الألمان بإخلاء مئات المعسكرات في بولندا وبروسيا الشرقية. وفي شهر نيسان عام 1945 اتسعت عملية الإخلاء لتشمل السجناء في مراكز الاعتقال في ألمانيا والنمسا. وفي عز برد الشتاء القارس أرغم السجناء في المعسكرات على الرحيل، معظمهم مشياً على الأقدام فيما عرف فيما بعد بمسيرات الموت التي راح ضحيتها عدد كبير من المشاركين فيها. وقد استمرت هذه المسيرات طوال أسابيع عديدة. وكان بقاؤهم منوطاً بمقاومة المشقات التي انتظرتهم على امتداد الطريق إضافة إلى القساوة المتناهية التي أظهرها أفراد الوحدات المشرفة على هذه المسيرات، والذين قتلوا كل من حاول الفرار. واستمرت عملية القتل الجماعي هذه لمئات الآلاف من السجناء حتى اليوم الذي استسلم فيه الألمان للحلفاء.

من أجل الرد على هذا السؤال يجب علينا أن نأخذ عوامل كثيرة في الحسبان. وهناك عاملان بارزان وهما طبيعة العلاقة بين كل دولة وألمانيا النازية والطريقة التي كانت الدولة تتعامل بها مع اليهود القاطنين فيها. وكلما كانت حكومة معينة تتمتع بقدر أكبر من الاستقلال عن ألمانيا النازية، كلما ازدادت فرص اليهود لإنقاذ أنفسهم، ، لأن هذه الدولة كانت أقل ميلاً للسعي من أجل تنفيذ الهدف النازي المتمثل بقتل جميع اليهود. وفي بعض الدول كانت السلطات تميّز بين مواطنيها اليهود القدامى وبين اليهود الذين لم يكونوا مواطنين فيها أو كانوا من سكان مناطق ضُمّت حديثاً إلى هذه الدول. ولم تشعر هذه الحكومة عادة بالتزامً بحماية هؤلاء اليهود وفي بعض الأحيان أشرفت بصورة فعالة على قتلهم. وخلافاً لذلك فإن احتمالات بقاء اليهود في الدول التي خضعت لسيطرة ألمانية مباشرة أو بصورة شبه مباشرة على قيد الحياة كانت ضئيلة للغاية، لأن النازيين لم يواجهوا في هذه الدول ما يحول بشكل حقيقي دون تنفيذ خططهم الفتاكة. وفي إيطاليا، وطالما كانت إيطاليا حليفاً كاملاً لألمانيا (حتى شهر أيلول 1943)، فقد تمت ملاحقة اليهود واضطهادهم ولكنهم لم يتعرضوا للقتل. وفي المناطق التي احتلتها القوات الإيطالية فإن الجيش كان شديد التحفظ تجاه فكرة تسليم اليهود إلى الألمان. وفي رومانيا قتلت القوات المسلحة الرومانية عدداً كبيراً من اليهود في المناطق التي ضُمّت إلى هذا البلد بعد الحرب العالمية الأولى وفي بداية الحرب العالمية الثانية،ولكن الحكومة الرومانية لم تبادر في معظم الأحيان إلى قتل يهود المناطق الرومانية الأصلية. وفي المجر لم ترضخ الحكومة للضغوط النازية بترحيل مجموعات كبرى من أبناء الجالية اليهودية المجرية لحين احتلال الألمان للمجر في شهر آذار عام 1944. من جهة أخرى فإن قوات مجرية لعبت دوراً محورياً أثناء فترة الاحتلال النازي في عملية ترحيل اليهود. وفي بلغاريا وفّر نظام الحكم حماية لليهود في المناطق البلغارية الأصلية، ولكن السلطات البلغارية قامت بترحيل اليهود من منطقتي مقدونيا وتراقيا اللتين ضمتا حديثاً إلى بلغاريا إلى معسكرات الإبادة، حيث لاقوا حتفهم. أما الدول التي حكمتها أنظمة حكم الدمى الموالية للنازيين، فقد قامت بقتل اليهود بمنتهى القساوة كما كان الحال عليه في كرواتيا، أو سلّمتهم إلى الألمان، كما كان الحال عليه في سلوفاكيا. وفي فرنسا، عندما كانت مقسّمة إلى قسم محتل في الشمال وقسم غير محتل في الجنوب، فإن نظام فيشي الذي كان يحكم الجزء الجنوبي بقدر معين من السيادة قد تعاون في عملية ترحيل اليهود من غير أبناء الجالية اليهودية الفرنسية الأصلية. وبشكل عام امتنعت سلطات نظام فيشي عن ترحيل اليهود من أصحاب الجنسية الفرنسية. أما في الجزء الشمالي المحتل من فرنسا، ثم بعد ذلك في الجزء الجنوبي بعد احتلاله من قبل ألمانيا، فقد تعامل الألمان مع اليهود أسوة بالمناطق الأخرى التي خضعت لسيطرتهم المباشرة. وفي الدانمارك تمكن اليهود من العيش بأمان طالما أنه تمت المحافظة على مظاهر السيادة الدانماركية. وقد أصبح من الضروري بعد أن نال الألمان من هذا الاستقلال أنقاذ يهود الدانمارك وذلك من خلال تهريبهم إلى السويد. ومن بين الأمور التي يستحق الدانماركيون كل ثناء بفضلها انهم تمكنوا من إنقاذ معظم اليهود من سكان بلادهم.

كانت الوسيلة الأولى التي استخدمها النازيون لتمويه عملية قتل اليهود استخدام عبارات مليَّنة في الكثير من مستنداتهم – على سبيل المثال " المعاملة الخاصة" بدلاً من القتل و"الإجلاء" بدلاً من الترحيل إلى معسكرات الإبادة. وحتى عبارة " الحل النهائي" كانت بمثابة كلمة السر التي ترمز إلى سياسة الإبادة. وكان يتوجب على أولئك الذين شاركوا في حملات الموت أداء اليمين بمراعاة السرية. وقد قيلت لليهود أكاذيب مختلفة حول الأماكن التي كانوا سيأخذونهم إليها عندما صدرت الأوامر لهم بالاستعداد للرحيل. وقيل لهم بشكل عام أنهم يتوجهون إلى "مكان أفضل" حيث سيتوجب عليهم العمل ولكنهم سيستطيعون البقاء على قيد الحياة.واعتباراً من شهر حزيران عام 1942 وبعد ذلك، تم إطلاق حملة باسم "أكتسيون 1005" من أجل القضاء على البينات والأدلة العينية عن عملية القتل. وكانت وحدة خاصة تسمى ب"زوندركوماندو 1005" تقوم تحت إشراف ضابط الإس. إس. باول بلوبيل بإحراق جثث القتلى في معسكرات الإبادة. وأصبحت هذه النشاطات تنطوي على شكل متزايد باستمرار من الأهمية كلما أصبح الزعماء النازيون أكثر إدراكا بأن ألمانيا قد تواجه هزيمة في الحرب. واعتباراً من شهر حزيران 1943 وبعد ذلك، عاد أفراد وحدة ال"زوندركوماندو 1005" إلى المواقع التي استخدمت منذ حزيران 1942 لغرض القتل الجماعي في المناطق المحتلة من الاتحاد السوفييتي وحاولوا محو آثار القبور الجماعية من خلال إحراق الجثث المتبقية داخل حفر عملاقة. وفي بعض الأحيان اضطر يهود عملوا في الأشغال الشاقة إلى تنفيذ هذه المهمة المروعة. وعلى الرغم من أن النازيين لم ينجحوا في محو جميع آثار عملية القتل، فإن محاولتهم للقيام بذلك جعلت من الأصعب إلى حد كبير تحديد التفاصيل الدقيقة والأبعاد الإحصائية الخاصة بالجرائم التي ارتكبت.

الإنقاذ والمقاومة

يجب التفريق بين التقارير عن أحداث القتل الجماعية وتلك التي تتحدث عن عملية إبادة شعب. لقد بدأت المعلومات عن عمليات القتل الجماعي لليهود تصل إلى العالم الحر فور بدء هذه الأعمال في الاتحاد السوفييتي في أواخر حزيران عام 1941. وقد ازداد عدد هذه التقارير باستمرار مع مرور الوقت. وكانت مصادر المعلومات في المرحلة المبكرة تشتمل على تقارير بوليسية ألمانية تم اعتراضها من قبل الاستخبارات البريطانية، إضافة إلى تقارير عن شهود عيان من السكان المحليين واليهود الهاربين الذين قدموا تقارير إلى حركات المقاومة السرية التي كانت تحارب الألمان. وكانت هناك مصادر سوفييتية ومحايدة،إضافة إلى جنود مجريين توجهوا لقضاء العطلة في منازلهم، بحيث تم نشر إفاداتهم بواسطة مصادر محايدة. وخلال عام 1942، وصلت إلى الحلفاء وإلى رؤساء دول محايدة أنباء عن الخطة النازيية لقتل جميع اليهود – بما في ذلك تفاصيل عن الوسائل والأعداد والمواقع. ووصلت هذه المعلومات من مصادر عديدة، بما في ذلك حركة المقاومة السرية التابعة للحزب الاشتراكي اليهودي ال"بوند" في غيتو وارسو، وذلك في شهر أيار من نفس العام، ثم بعد ذلك مرة أخرى في شهر تشرين الثاني. كما وصلت معلومات من منظمات يهودية في جنيف، مثل برقية غيرهارد ريغنير التي أرسلت من سويسرا في شهر آب.وكانت هناك تقارير قدمها السعي يان كارسكي من حركة المقاومة السرية البولندية في نوفمبر كما كانت هناك إفادات شهود عيان أدلى بها تسعة وستون يهودياً بولندياً وصلوا إلى فلسطين التي تحت الانتداب البريطاني في نطاق عملية تبادل السجناء المدنيين بين ألمانيا وبريطانيا في تشرين الثاني عام 1942.

وبتاريخ 17 كانون الأول عام 1942 أصدر الحلفاء بياناً ندّد بعملية إبادة الشعب اليهودي في أوروبا وأعلنوا أنهم سيلحقون العقاب بمرتكبي هذه العملية. ومع ذلك فلم يتضح إلى أي مدى ومتى أصبح الحلفاء وزعماء الدول المحايدة يدركون المغزى الكامل من هذه التقارير. وربما تدل الصدمة الكبيرة التي أصيب بها كبار قادة قوات الحلفاء حين حرّرت قواتهم معسكرات الإبادة في نهاية الحرب على أنهم لم يكونوا يدركونا الأوضاع على ما كانت عليه، وذلك على الرغم من أن المعلومات كانت متوفرة.

لقد وصلت المعلومات المفصّلة الأولى عن آوشفيتس إلى الحلفاء في شهر حزيران عام 1944، وذلك على شكل تقرير من سجينين فارين تم تسليمه بواسطة كوادر حركة المقاومة السرية اليهودية في سلوفاكيا. وكانت المعلومات تشتمل على طلب بقصف المعسكر وخط السكة الحديدية المؤدي إليه من المجر في الوقت الذي كانت فيه مجموعات كبيرة من اليهود ينقلون إلى المعسكر من المجر. وكان الحلفاء يسيطرون على الأجواء في تلك الفترة بينما أصبحت أجزاء من بولندا داخل مدى طيران قوات الحلفاء في الغرب بعد السيطرة على مطارات في إيطاليا. وقام طيران الحلفاء في الفترة من فصل الربيع وحتى فصل الخريف من عام 1944 بالتحليق في أجواء المعسكر عدة مرات في مهمة تصوير المنشآت الصناعية الألمانية الواقعة على بعد كيلومترات معدودة منه. وفي أواخر الصيف من هذا العام تم قصف هذه المصانع ولكن لم يتم في أي وقت من الأوقات قصف معسكر آوشفيتس بيركناو.

وساق الحلفاء عدة تبريرات لقرارهم عدم قصف المعسكر، منها قولهم إنه من المستحيل من الناحية الفنية الوصول إلى المعسكر، ولكن حقيقة قيامهم بقصف أهداف أخرى قريبة جداً من المعسكر تدلّ على عدم صحة ذلكً. كما ادعى الحلفاء بأن عملية قصف من هذا القبيل لن تؤدي إلى إبطاء وتيرة عملية القتل في حين تؤدي إلى ضرورة إشغال قوات خصصت أصلا للمشاركة في معارك حاسمة كما ستعرض طواقم طيران الحلفاء لمخاطر. وقال الحلفاء إن الطريقة الوحيدة لإنقاذ اليهود كانت ستتمثل ب"الإنقاذ من خلال تحقيق النصر" وليس "عن طريق الانحراف عن المجهود الحربي". كما لم يرغب الحلفاء في أن يظهروا وكأنهم يحاربون من أجل اليهود.

أن السؤال حول ما إذا كانت مهمة قصف محتملة لمعسكر الإبادة ستكلّل بالنجاح أم لا لا يزال مفتوحاً. من جهة أخرى، فقد أصبح من الواضح بأن الحلفاء لم يبدوا من التحمس والتصميم على إنقاذ اليهود ما أبداه النازيون بالنسبة لقتل اليهود

 

لقد اتخذت المقاومة اليهودية بوجه الاعتداءات النازية أشكالاً كثيرة تحت وطأة السياسة النازية الخاصة بالقتل الجماعي المنظم لجميع اليهود الموجودين تحت سيطرتهم. إن مجرد محاولة البقاء على قيد الحياة والحفاظ على بقايا الكرامة الإنسانية على الأقل كان تحدياً للمساعي النازية الهادفة إلى حرمان اليهود من إنسانيتهم ثم القضاء عليهم. وقد سعى الكثير من اليهود على الأصعدة الشخصي والعائلي والمجتمعي من أجل البقاء من الناحيتين الجسدية والعاطفية بوجه آلة القتل النازية.

في العديد من الغيتوات بذلت المجالس اليهودية ومنظمات سرية مختلفة خاصة باليهود كل جهد مستطاع من أجل توزيع المواد الغذائية والأدوية وتزويد الجماهير باحتياجات حيوية أخرى للتخفيف من معاناتهم. في العديد من الأماكن تم تنظيم نشاطات ثقافية وتربوية ودينية كانت تعبيراً عن الروح الإنسانية التي كانت لا تزال حية لدى سكان الغيتو. وانطوت عملية توفير فرص العمل على أهمية كبرى في الكثير من الأماكن. وكان ذلك يتعلق بالأبعاد العملية الخاصة بالحياة اليومية، وفي بعض الأماكن أدى الأمر إلى تحسين قيمة اليد العاملة اليهودية بحيث تحول ذلك إلى استراتيجية ترمي إلى حماية أكبر عدد ممكن من اليهود من براثن النازيين. وفي بعض الأماكن تمت محاولة لتوثيق معاناة اليهود الآخذة بالازدياد تحت وطأة النازيين. وفي بعض الحالات حصل اليهود على وثائق مزورة، في بعض الأحيان بصورة منظمة وفي أحيان أخرى بصورة شخصية، بحيث كانت هذه الوثائق تشير إلى أنهم من غير اليهود وكانوا يستخدمونها للتستر وحتى لاجتياز الحدود الدولية.

وكلما أصبح اليهود يدركون بأن النازيين ينوون قتلهم، أقيم مزيد من منظمات المقاومة المسلحة. وفي العشرات من الغيتوات استعدت هذه المنظمات لمقاومة النازيين بالسلاح، سواء داخل حدود الغيتو أو من خلال الانضمام إلى المقاومة في مناطق الأحراش والمستنقعات أو الجبال المجاورة. من جهة أخرى لم يتم تنفيذ جميع المخططات لمقاومة النازيين بقوة السلاح وذلك لأسباب مختلفة.

وفي بعض المعسكرات النازية كان اليهود يهمون بمحاولات التمرد المسلح وذلك رغم النظام القاسي المفروض فيها. وقد هرب يهود من العديد من المعسكرات، بما في ذلك آوشفيتس بيركناو. وقامت مجموعتان من السجناء الهاربين من هذا المعسكر بنقل التقرير المفصل الأول (بروتوكولات آوشفيتس) الذي وضع العالم الغربي في صورة ما تقوم به آلة القتل في آوشفيتس بيركناو.

وفي بعض الدول – وخاصة في أوروبا الوسطى والغربية – حيث كان من المحتمل القيام بعملية إنقاذ على نطاق واسع - سعى اليهود إلى إنقاذ حياة يهود آخرين، بحيث أقدموا في بعض الحالات على الدمج بين عمليات الإنقاذ هذه وبين النشاطات المسلحة ضد النازيين وأعوانهم. وكان الأمر على هذا النحو في سلوفاكيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا. وفي المجر أثناء الاحتلال النازي قام يهود عملوا إلى جانب دبلوماسيين من بعض الدول المحايدة بعملية إنقاذ واسعة النطاق في بودابست. وقامت منظمات يهودية خارج أوروبا الخاضعة لسيطرة النازيين وخاصة من خلال الممثلين في جنيف، ببذل كل جهد مستطاع من أجل إرسال المعونات والمستندات التي كان من الممكن بواسطتها إنقاذ الحياة إلى أخوتهم. كما قام الممثلون بمساع لإطلاع العالم على صورة المجزرة الجاري ارتكابها. وقام بعض الأفراد والمجموعات الصغرى من اليهود بمقاومة النازيين وأعوانهم بطرق عديدة، ابتداء بعمليات المقاومة العنيفة التي لا طائل تحتها وحتى الفرار والاختباء. وقام العديد من اليهود بمساع يائسة لإنقاذ أولادهم من خلال تقديمهم إلى غير اليهود الذين كانوا مستعدين لإخفائهم.

على الرغم من الظروف شبه المستحيلة كانت هناك حالات كثيرة من المقاومة اليهودية المسلحة أثناء الهولوكوست. وكان اليهود في الغيتوات المختلفة والمعسكرات على قدر قليل من الاتصال مع بعضهم ولم يحظوا بمساعدة خارجية.وكان هؤلاء اليهود ضعفاء جسمانياً ومزودين بعدد قليل من قطع السلاح فقط وكان لهم القليل من التدريب على القتال كما كانوا يواجهون قوة وشراسة آلة الحرب الألمانية. وأدرك معظم المحاربين بأنه ليست لديهم احتمالات حقيقية بإلحاق الهزيمة بمضطهديهم، ولكنهم حاربوا إلى أقصى حد ممكن. وقام هؤلاء اليهود بممارسة المقاومة لغرض المقاومة فقط.

وتم تشكيل منظمات سرية مسلحة في حوالي مائة من الغتيوات في مختلف أنحاء بولندا وليتوانيا وبيلاروس وأوكرانيا. وكان الهدف الذي سعت هذه المنظمات إلى تحقيقه القيام بعمليات التمرد المسلح أو القيام بعمليات هجومية للخروج من الغيتو بالقوة من أجل الانضمام إلى المقاومة خارجه. وتم عادة توقيت مثل هذه العمليات لتتزامن مع المواعيد التي حددها النازيون لترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة. وفي بعض الأحيان بدأت عمليات المقاومة هذه بصورة تلقائية.

وكانت أشهر عملية تمرد في الغيتوات هي تمرد غيتو وارسو. لقد دخل النازيون الغيتو بتاريخ 19 نيسان 1943 من أجل استئناف عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة. وقد تمرد اليهود بقيادة أعضاء المنظمة اليهودية المحاربة والاتحاد العسكري اليهودي في الغيتو وتمكنوا من خلال أعمال المقاومة الباسلة من صد الألمان لمدة أربعة أسابيع. وتمكن العشرات من أولئك الذين بقوا على قيد الحياة من الفرار والانضمام إلى حركات المقاومة المسلحة.

وجرت عمليات تمرد مسلحة في العديد من الغيتوات الأخرى أيضاً. على سبيل المثال، فقد شعرت المقاومة اليهودية في غيتو كراكوف بأنه لا توجد لديها أي احتمالات على الإطلاق من خلال الحرب داخل الحي، وعليه فقد انتقلت إلى الأحياء المجاورة غير اليهودية حيث هاجمت الألمان هناك. وفي فيلنيوس كانت هناك خلافات حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها، حيث أراد بعض أعضاء المنظمة السرية المحاربة أن يدور القتال في الغيتو نفسه، في حين أراد عدد آخر الانضمام إلى المقاومة السرية في الغابات المجاورة. وقد قاموا بذلك محققين نجاحاً جزئياً. وعندما بدأ التمرد في الغيتو يلاقي صعوبات فور اندلاعه، هرب العدد المتبقي من المحاربين لينضم إلى المقاومة. وفي الغيتو في كوفنو حاول أعضاء الحركة السرية اليهودية الوصول إلى المقاومة. وفي بياليستوك تم إحباط خطة للانضمام إلى المقاومة السرية فور فشل تمردد اليهود هناك، بحيث قتل المحاربون هناك.

وكان المنطق يملئ على اليهود الامتناع عن المقاومة المسلحة داخل المعسكرات، حيث لم تكن بحوزة اليهود أسلحة وكانوا تحت رحمة حراسهم. كما كانوا يعانون المجاعة والإرهاق والأمراض. وكانوا يعلمون بأن أي مقاومة وحتى فردية كانت ستؤدي إلى إلحاق العقاب بالعديد من الأشخاص. ورغم كل ذلك كانت هناك عمليات مقاومة في عدة معسكرات، بما في ذلك تربلينكا وسوبيبور وآوشفيتس بيركناو. وفي المعسكر الأخير نجح بعض أفراد ال"زوندركوماندو" (السجناء الذين عملوا في أفران حرق الجثث) في قتل عدد من أفراد الإس.إس. وأضرموا النار في عدد من الأفران.

لقد أصبح يهود فروا من الغيتوات إلى الغابات والجبال والمستنقعات في أوروبا الشرقية محاربين في حركات المقاومة. من جهة أخرى، واجه هؤلاء اليهود الكثير من العقبات في الانضمام إلى صفوف مجموعات المقاومة.وبالدرجة الأولى كان مجرد عملية الفرار من الغيتو تحدياً كبيراً.أضف إلى ذلك أن العديد من اليهود فروا من الغيتوات قبل تنظيم أي نوع من حركات المقاومة السرية في المناطق السوفييتية التي احتلها النازيون. وكان يترتب عليهم تدبير أمورهم بأنفسهم لحين انتظام مثل هذه الوحدات. وحتى بعد تشكيل وحدات من المقاومة السرية لم يكن من البساطة العثور على وحدة ستكون مستعدة لقبول اليهود. ورغم هذه العقبات ازدادت رقعة نشاطات المقاومة اليهودية في أوروبا الشرقية وأصبحت ذات حجم كبير نسبياً. وقدّر بعض الباحثين عدد اليهود الذين كانوا جزءاً من وحدات المقاومة في الغابات بما يصل إلى ثلاثين ألفاً. وكانت هذه الوحدات تقوم بعمليات هجوم وانقاذ جريئة.

لقد كانت هناك نشاطات واسعة للمقاومة اليهودية في مختلف أنحاء المناطق السوفييتية المحتلة. أما في بولندا فكانت نشاطات المقاومة اليهودية أصغر حجماً بكثير، وذلك بسبب الظروف المحلية السائدة. كما أصبح اليهود محاربين في حركات المقاومة السرية في سلوفاكيا حيث شارك أكثر من 1500 منهم في الثورة الوطنية السلوفاكية ضد النازيين. وفي يوغوسلافيا وبلغاريا واليونان تم قبول اليهود في حركات المقاومة السرية كأعضاء متساوين بلا قيد أو شرط. من جانب أخر، لم تكن هناك وحدات مقاومة يهودية محضة في هذه الدول، ربما بسبب قبولهم في صفوف حركات المقاومة نفسها.

وكانت هناك فروقات بين وحدات المقاومة اليهودية وغير اليهودية من عدة نواح حيث كانت للمحاربين غير اليهود عادة إمكانية الحصول على أسلحة قبل انضمامهم إلى هذه الحركات بينما لم يكن الأمر هكذا بالنسبة لليهود. وقد انضم المحاربون غير اليهود إلى حركات المقاومة إما بدوافع قومية بحيث أرادوا إبعاد جميع الغرباء عن بلادهم (بما في ذلك النازيون واليهود على حد سواء)، أو بصفة شيوعيين واشتراكيين أرادوا محاربة الفاشية. وقد ترك هؤلاء المحاربون عائلاتهم في بيوتهم في بيئة آمنة نسبياً وكانوا يتطلعون عادة للعودة إليها بعد الحرب. أما المحارب اليهودي فلم يحارب لأجل الانتقام أو لأجل تحقيق هدف مثل تحرير الأرض المحتلة فحسب، بل من أجل الحق الأكثر رسوخا – ألا وهو الحق في الحياة. لقد آمن المحاربون اليهود بأنهم لن يروا منازلهم وعائلاتهم ثانية، لأن معظم أفراد العائلة قد قتلوا من قبل. وفي المقابل حظي المحاربون من غير اليهود بقدر أكبر بكثير من الدعم الشعبي، في حين كان المحاربون اليهود يُعتبرون غرباء وكانت لديهم احتمالات ضئيلة فقط للبقاء على قيد الحياة في الغابة.

لقد كانت هناك وحدات يهودية – وخاصة في بيلاروس – اشتملت على العديد من غير المحاربين من نساء وأطفال ومسنين. وكان أكبر "معسكر للعائلات" من هذا القبيل تحت قيادة طوفيا بيلسكي وفيه حوالي 1200 شخص. وقد برّرت هذه الوحدات وجودها بالمحاربة إلى أقصى حد ضروري وفي نفس الوقت سعت إلى إنقاذ الحياة. وكان وجود المعسكرات العائلية ظاهرة يهودية محضة إبان الحرب العالمية الثانية.

من الأمور التي تبدو بوضوح من كل إفادة أو ذكريات أدلى بها ناجون من براثن النازيين بأن الشخص الذي نجا حصل على مساعدة من يهودي آخر في مرحلة معينة من المراحل، ممّا ساعد على إبقائه على قيد الحياة. إن ظاهرة تقديم المساعدة التلقائية من قبل يهودي ليهودي آخر هي بُعد مهم من أبعاد الإنقاذ أثناء الهولوكوست.

على النطاق الأوسع هناك العديد من الأمثلة من سنوات الهولوكوست على وجود محاولات قام بها يهود لإنقاذ يهود آخرين. فعلى سبيل المثال قامت هيئة مسماة ب"مجموعة العمل" برئاسة الحاخام ميخائيل دوف فايسماندل ورئيسة منظمة النساء الصهيونيات في سلوفاكيا غيزي فلايشمان، قامت بممارسة تشكيلة واسعة من المناورات التكتيكية لحماية يهود من سلوفاكيا ومن أماكن أخرى في أوروبا من الترحيل. وقد تفاوضت هاتان المنظمتان مع أعضاء في الحكومة السلوفاكية والإس.إس. من أجل وقف عمليات الترحيل. كما قامت المنظمتان بتمويل عمليات فرار من سلوفاكيا إلى المجر المجاورة. ولكنه رغم المساعي الحثيثة التي قامت بها هاتان المنظمتان، قتلت الغالبية العظمى من أبناء الجالية اليهودية في سلوفاكيا أثناء الهولوكوست، في حين أن معظم المحاولات لإنقاذ يهود خارج سلوفاكيا لم تتكلل بالنجاح.

وفي المجر ساعدت لجنة الإغاثة والإنقاذ بقيادة يسرائيل كاستنير وأوتو كومولي لاجئين من دول أخرى تمكنوا من الوصول إلى المجر قبل الاحتلال الألماني لهذا البلد في آذار عام 1944. وبشكل عام قدمت هذه اللجنة للاجئين وثائق مزورة ووفرت لهم مخابئ آمنة إضافة إلى الاحتياجات الأساسية. وبعد أن احتل الألمان المجر استمر أعضاء في لجنة الإغاثة والإنقاذ في نشاطات الإنقاذ، لا سيما من خلال التفاوض مع الإس.إس. وقامت هذه اللجنة، إلى جانب الحركة السرية للشبيبة الصهيونية، بالعمل مع دبلوماسيين من دول محايدة مختلفة ومع منظمات دولية من أجل حماية اليهود من عمليات الترحيل النازية ومن الاعتداءات العنيفة لمنظمة صليب السهم المجرية الفاشية. وفي فصل الخريف عام 1944 وبداية فصل الشتاء عام 1945 تم إنقاذ عشرات الآلاف من اليهود في العاصمة بودابست بفضل هذه المساعي المشتركة. من جهة أخرى، فإن حوالي ثلاثة أرباع من أبناء الجالية اليهودية في المجر قتلوا أثناء الهولوكوست.

وفي فرنسا قامت عدة مجموعات، بينها حركة الشبيبة الصهيونية ومنظمة الجيش اليهودي وحركة الكشافة اليهودية وحلقة غاريل بقيادة جورج غاريل ببذل كل جهد مستطاع من أجل إبقاء اليهود خارج متناول يد السلطات. وتمكنت هذه المنظمات بشكل خاص من إخفاء اليهود في مختلف أنحاء المنطقة الريفية الفرنسية ومن تهريب يهود إلى اسبانيا وسويسرا. وقد تكللت بعض هذه المساعي بنجاح وذلك إلى حد كبير بفضل المساعدة التي تلقتها هذه المنظمات من غير اليهود.

وبشكل عام يجب الإقرار بأن اليهود كانوا يفتقرون إبان الهولوكوست إلى القوة على إنقاذ يهود آخرين بأعداد كبيرة بدون الحصول على مساعدة من قوى خارج الجالية اليهودية.

إن "نصير الشعب اليهودي" هو أرقى لقب تم منحه من قبل دولة إسرائيل لغير اليهود. ويمنح هذا اللقب من قبل مؤسسة ياد فاشيم تكريماً لغير اليهود الذين خاطروا بحياتهم من أجل إنقاذ اليهود أثناء الهولوكوست بدون أي مكاسب شخصية. وتتم مراجعة النشاطات التي قام بها أي مرشح للحصول على هذا اللقب من قبل لجنة خاصة في مؤسسة ياد فاشيم.

وفي حالات عديدة فإن أناساً من عامة الشعب هم الذين أنقذوا حياة اليهود أثناء الهولوكوست. وقد اختار هؤلاء الناس، ورغم أن جميع الاحتمالات كانت ضدهم، إخفاء يهودي واحد أو أكثر في منزلهم أو في ساحة بيتهم. وكثيراً ما قام المنقذ من هذا القبيل ببناء مخبأ تحت الأرض لليهودي الفار الذي كثيراً ما كان سيمكث هناك لمدة أسابيع أو شهور أو حتى سنوات، ونادراً ما كان يرى أشعة الشمس خلال هذه الفترة. وكانت الأغذية نادرة جداً خلال هذه الفترة وكان على المنقذ أن يتقاسم ما كان لديه من أغذية قليلة مع اليهودي الذي أخفاه عن النازيين. وكانت هناك حالات قامت فيها مجموعات من الناس وليس أفراداً بالضرورة، بإنقاذ اليهود. وفي هولندا والنرويج وبلجيكا وفرنسا قامت مجموعات المقاومة السرية بمساعدة اليهود وذلك بالدرجة الأولى من خلال توفير المخابئ لهم. وفي الدانمارك قام أناس من عامة الشعب بنقل حوالي 7200 يهودي من أصل 8000 إلى السويد في نطاق عملية الإنقاذ التي تم خلالها استخدام زوارق الصيد.

وفي بعض الحالات القليلة قام ألمان من أصحاب المناصب الكبرى باستغلال مكانتهم من أجل مساعدة اليهود. ومن بين أشهر هؤلاء المنقذين رجل الأعمال الألماني أوسكار شيندلير الذي أنقذ أكثر من ألف يهودي من معسكر "بلاشوف" بحيث أشغلهم في المصنع التابع له.

وتم كذلك الاعتراف بعدد من الدبلوماسيين والموظفين الحكوميين "أنصارا للشعب اليهودي". ومن بين المعروفين منهم اريستيدس دي سوسا مينديس من البرتغال وتشيوني-سيمبو تسوغيهارا من اليابان وباول غرونينغر من سويسرا.وخاطر جميعهم بعملهم وبمصدر رزقهم من أجل مساعدة اليهود. ولكن الدبلوماسي الذي نال أكبر شهرة في إنقاذ اليهود هو راول فالينبيرغ من السويد الذي ساعد في إنقاذ عشرات الآلاف من اليهود المجريين. وقد اعتقلته القوات السوفييتية بعد استيلائها على بودابست، رغم حصانته الدبلوماسية، حيث فارق الحياة فيما بعد في أحد معسكرات الاعتقال السوفييتية.

وتشرّف حتى عام 2005 حوالي 21000 رجل وأمرأة بنيل لقب "نصير الشعب اليهودي". وفي العديد من الحالات تبين بأن عملية الإنقاذ التي قام بها الحاصل على هذا اللقب كانت ممكنة - على الرغم من الظروف والمخاطر. ولم ينقذ الحائزون على هذا اللقب حياة اليهود فحسب بل ساعدوا على أعادة الثقة بالإنسانية أيضاً.

ألآثار

لقد كان هناك حوالي 50000 إلى 75000 يهودي يتواجدون فور انتهاء الحرب في الجزء الغربي من ألمانيا المحتلة. وكان هؤلاء اليهود ناجين من الهولوكوست من جميع أنحاء أوروبا. وتم تحرير معظمهم على الأرض الألمانية. وخلال الأسابيع القليلة التي تلت الحرب، أقيمت المئات من معسكرات النازحين بصورة ارتجالية في هذه المناطق لأجل الناس الذين لم يرغبوا في العودة إلى البلدان التي كانوا يقطنونها. وكان من بين هؤلاء الناس عدد كبير من اليهود.

وفي شهر آب 1945 رفعت لجنة هاريسون التي عينها الرئيس الأمريكي ترومان للنظر في معاناة النازحين، رفعت تقريراً إلى الجيش الأمريكي عن الظروف البائسة التي واجهها اليهود في معسكرات النازحين. وفي أعقاب هذا التقرير أقيمت عدة معسكرات محسنة في منطقة الاحتلال الأمريكي في ألمانيا ثم بعد ذلك في المنطقة البريطانية أيضاً. أما السوفييت، فقد رفضوا قطعيا الاعتراف باليهود كمجموعة منفردة ولم يقيموا معسكرات من هذا القبيل لأجلهم. وقد ازداد باستمرار عدد سكان معسكرات النازحين في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وذلك بالدرجة الأولى بسبب استمرار وصول اليهود من أوروبا الشرقية. وفي نهاية عام 1946 ونتيجة للهروب الجماعي لليهود من بولندا في أعقاب مجزرة "كيلتسي", كان هناك حوالي 15000 يهودي في منطقة الاحتلال البريطاني و-140000 في منطقة الاحتلال الأمريكي (وخاصة في بافاريا) وحوالي 1500 في منطقة الاحتلال الفرنسي. وكان هناك إجمالاً حوالي 700 معسكر نشط للنازحين. ومن بين المعسكرات الأكثر شهرة: لاندسبرغ وبوكينغ وفيلدافينغ وبيرغن بيلزن. ورغم المشاكل العديدة التي عاناها الناجون, فقد تم تنظيم حياة نشطة في هذه المعسكرات بما في ذلك إقامة أنظمة للتعليم والتدريب المهني إضافة إلى النشاطات الثقافية الإبداعية والعمل الصحفي وحتى الحياة السياسية.

وقد غادر معظم سكان المعسكرات من بين اليهود هذه المعسكرات حتى عام 1950.وقد هاجر العديد منهم إلى إسرائيل في حين توجه آخرون إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا ودول أخرى. كما بقي عدد منهم في ألمانيا.

 

بعد هزيمة النازيين في مايو أيار من عام 1945، سعى الناجون من الهولوكوست من مواطني بلدان أوروبا الغربية مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا للعودة إلى بيوتهم السابقة. فقد كانوا يشعرون بالانتماء إلى أماكن سكناهم وبما يجمعهم من أواصر التضامن التي لم تنفصم عراها مع معظم مواطنيهم، حيث صمدت ثقتهم الأساسية في وجه محنة الهولوكوست الرهيبة. وفي حين كان هذا الشعور بالنسبة لفرنسا وبلجيكا له ما يبرره ، إلا أنه بالنسبة لهولندا كان هذا الموقف المفعم بالأمل خادعا إلى حد ما، علما بأن 100 ألف من أصل ال-140 ألف يهودي هولندي قد سقطوا ضحايا للنازيين وعملائهم الهولنديين، ولا غرابة في أنه في السنوات التي تلت الحرب سعى عدد غير قليل من اليهود الهولنديين لبناء حياة جديدة لهم في دولة إسرائيل .

لقد لحقت بالطائفة اليهودية في كل من هنغاريا ورومانيا أضرار جسيمة خلال حقبة الهولوكوست، حيث امّحت عن الوجود تقريبا الجاليات اليهودية الريفية في هنغاريا، فيما تمكنت جالية بودابست الكبيرة والمندمجة في محيطها من البقاء دون أن تلحق بها أضرار تذكر. ومع أن عددا معينا من أعضاء هذه الأخيرة سعى لبناء حياة جديدة في كل من إسرائيل وأستراليا وأمريكا الشمالية، إلا أن معظم أبناء الجالية قرروا البقاء حيث كانوا يشعرون بأنهم في وطنهم. وفي المقابل، طال التفكك المتدرج الجالية الرومانية بشقيها الحضري والريفي، حيث سعى الناجون للجوء إلى دولة إسرائيل.

أما الناجون من يهود أوروبا الشرقية، ولا سيما يهود بولندا ودول البلطيق، فقد اختلفت نظرتهم للأمور إلى حد ما، فقد شهدوا نسبة تبلغ ما بين 90 و95 في المئة من مجتمعاتهم القديمة وهي تتهدم على أيدي النازيين وأعوانهم المحليين. كان نحو 240 ألفا من يهود بولندا قد وجدوا الأمان في أعماق الداخل السوفييتي، وذلك على أثر سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها ستالين. وحين عادوا إلى بولندا بين عامي 1945 و1946 كانت نيتهم متجهة إلى إعادة بناء حياتهم السابقة، ولكن النتيجة جاءت مأساوية، فقد لاقوا بيوتهم وممتلكاتهم وورشهم ومحلاتهم التجارية في أيدي غيرهم، بينما كانت الحكومة البولندية تقاوم فكرة اتخاذ أي إجراء في مواجهة ذلك. وقد قوبلت أية محاولة لاستعادة الممتلكات المنهوبة بمقاومة عنيفة ومخاوف مشوبة بالغضب من جانب المستفيدين بثمار تجريد اليهود من أملاكهم من أنهم سيواجهون تهمة التعاون مع سلطات الاحتلال الألمانية.

 

وقد سعت الحكومة البولندية لمعالجة هذا الوضع من خلال توطين اليهود في بلدات غرب بولندا، والتي كان ما يقارب ال11 مليون ألماني قد طردوا منها بعد الحرب وعادوا مرغمين إلى ألمانيا، ولكن اليهود سرعان ما واجهوا البطالة والمجاعة واليأس. زد على ذلك اللاسامية الجامحة والحياة المفعمة بذكريات الموت والدمار الملتهبة. وحين تسببت مجزرة مروعة تم ارتكابها في مدينة كيلتسي خلال شهر تموز يوليو من عام 1946 في مقتل 47 يهوديا وجرح نحو خمسين آخرين، تصاعد التيار المطرد لمغادري بولندا إلى جهة الغرب ليصبح سيلا حقيقيا من اللاجئين، مما حول ما سبق أن كان طائفة تعج بالحياة بلغ تعدادها نحو 3 ملايين ونصف المليون من اليهود إلى مجتمع هزيل لا روح فيه ولا يزيد عدده عن 60 إلى 80 ألف نسمة ممن تخلفوا في بولندا، واستحال ما سبق أن كان عصب الحياة اليهودية على مستوى العالم أطلالا بالية.

وهكذا أصبح يهود أوروبا الشرقية، وبأعداد متزايدة، يسعون للجوء إلى المنطقة الأمريكية في ألمانيا المحتلة، حيث قدم لهم الجيش الأمريكي وإدارة الأمم المتحدة للإغاثة وإعادة التأهيل الحماية والسكن والغذاء. وبحلول العام 1950 كان 200 ألف من أصل 300 ألف من الناجين والمعروفين أيضا بالمشردين، ممن لجؤوا إلى المنطقة الأمريكية للاحتلال، قد توجهوا إلى إسرائيل، فيما وجد الباقون أقرباء لهم خارج ألمانيا ولا سيما في أمريكا الشمالية.

لماذا اختار ثلثا ذاك العدد أرض إسرائيل؟ تكمن الإجابة في أن الرئيس الأمريكي هاري ترومان كان قد انتدب في عام 1945 إيرل ج. هاريسون لفحص احتياجات الناجين من الهولوكوست والأماكن التي ينوون الاستقرار فيها مستقبلا. ويتضمن تقريره الذي قدمه في آب أغسطس 1945 نظرة متبصرة لأمنيات وأفكار الناجين في ذلك الوقت:

فيما يتعلق بأماكن قد تصلح للاستقرار فيها... فإن أرض إسرائيل تمثل بلا شك وبلا منازع خيارنا الأول. العديد منا لهم أقرباء هناك، فيما الآخرون الذين خبروا التعصب والاضطهاد في مواطنهم لسنين وسنين يشعرون بأنهم في أرض إسرائيل وحدها سيلاقون بالترحاب ويجدون الهدوء والسكينة، بحيث تتاح لهم فرصة العيش والعمل. وعند يهود بولندا والبلطيق تنبع الرغبة الشديدة في التوجه إلى أرض إسرائيل في الغالبية العظمى من الحالات من حب البلاد والوفاء للمثل العليا الصهيونية، ولكن في الوقت نفسه ثمة الكثيرون الذين يريدون الذهاب إلى فلسطين اقتناعا منهم بأن احتمالات قبولهم في الولايات المتحدة أو غيرها من بلدان الغرب محدودة إن لم تكن معدومة. ولكن بغض النظر عن حافزهم للتوجه إلى فلسطين، فمن غير المشكوك فيه قطعا أن الغالبية العظمى من الناجين لا يريدون العودة إلى البلدان التي أتوا منها.

لقد نفذ إنكار الهولوكوست إلى جوهر الوعي العام في الكثير من الدول، ولا سيما الدول العربية والدول الإسلامية التي يرفض جانب كبير من سكانها مجرد وجود دولة إسرائيل. وتعود هذه الظاهرة إلى النوع التالي من التفكير: إذا كان وجود إسرائيل يستمد شرعيته من الهولوكوست، في حين أن الهولوكوست لم يحدث قط، فلا شرعية لوجود دولة إسرائيل.

وبعبارة أخرى، فإن إنكار الهولوكوست جاء لسحب الشرعية من وجود دولة إسرائيل. ومن البديهي أن الارتباط المنطقي من هذا القبيل يعتمد على قراءة انتقائية أحادية البعد للأحداث التي قادت إلى تأسيس دولة إسرائيل، لأن الهولوكوست لم "يوجِد" دولة إسرائيل، ولا قامت دولة إسرائيل للتخفيف من شعور دول العالم بالذنب في تلك الحقبة. إن هذا النوع من التفكير يتجاهل، فيما يتجاهله، الصلة التي كانت تربط اليهود بأرض إسرائيل على مر 4000 سنة، متجاهلا أن الصهيونية المعاصرة قد ظهرت قبل الهولوكوست بما يزيد عن نصف قرن.